السكر العلني بين مسودة مشروع القانون الجنائي وقانون ليوطي

من بين المقتضيات القانونية الواردة في مسودة مشروع القانون الجنائي ، والتي آثارت النقاش، السكر العلني البين ، بحيث هناك  من يرفض تخصيص عقوبة لهذا الفعل ، وهناك من يطالب بالابقاء عليها بل والتشديد فيها ، ولكل طرف مبرراته ، فهناك من يعتبر أن الأمر يتعلق بالحرية الشخصية ولا دخل للمشرع الجنائي في ذلك ،  وهناك من يعتبر أن العقاب عن السكر يدخل ضمن المعتقدات ولا يمكن التسامح مع من لا يحترم الشريعة الإسلامية  ، خاصة وأن دستور المملكة لسنة 2011 يعتبر الدولة المغربية دولة إسلامية ، وبالتالي يجب أن تكون منسجمة مع نفسها ولا يحق لها إصدار أي نص قانوني مخالف للشريعة الإسلامية .
 ولنا أن نتساءل كباحثين ، هل هذه المسودة بالفعل تعاقب على السكر ؟ وإلى أي حد جاءت هذه المسودة متطابقة مع الواقع المعاش ، قبل أن تبادر وزارة العدل والحريات بوضعها و تجعل وزير العدل والحريات ينافح من أجلها ؟
 قبل دراسة هذه المسودة، أرى من الفائدة الاطلاع على أول نص تشريعي عاقب على السكر العلني في المغرب ، وما موقف الشريعة الإسلامية من هذه الظاهرة ، ثم ما هي المستجدات التي أتت بها هذه المسودة ، وإلى أي حد تمثل  توجه  الحزب الذي يقود الحكومة ويشرف على وزارة العدل والحريات وهو يعلن أن مرجعيته إسلامية .
 لذا سنقسم هذا الموضوع إلى المطلبين التاليين :
 المطلب الأول  : موقف المشرع المغربي من السكر العلني
 المطلب الثاني : ما هي مستجدات مسودة مشروع القانوني الجنائي  من السكر العلني

المطلب الأول: موقف المشرع المغربي من السكر العلني
بداية لا بد من التذكير بأن أول نص تشريعي تصدى لجنحة السكر العلني في المغرب كان في بداية الحماية ، وبالضبط بمقتضى ظهير 22 شتنبر 1914 ، التاريخ الذي أذن بنشره المقيم العام ليوطي .
    وقد نص الفصل الأول من هذا الظهير على أنه "كل من وجد في حالة سكر في الشوارع والطرقات والساحات العمومية والقهاوي والفنادق والحانات وغيرها من المحلات العمومية أو الأماكن التي يدخلها عامة الناس يعاقب بذعيرة تتراوح من خمسين إلى الفين فرنك وبالسجن من خمسة عشر يوما إلى ستة أشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط ."
 ويضيف الفصل الثالث بأن " كل من صدر عليه حكم لمعاودة السكر جهارا يمكن أن يعلن في الحكم الصادر عليه أنه مجرد من الحقوق الآتية : وهي لا ينتخب ولا ينتخب في أي أمر كان ، ولا يدعى حكما ولا يسمى في وظيفة معين عدلي أو محلف جنائي أو غير ذلك من الوظائف العمومية أو المختصة بإدارة عامة وأيضا لا يباشر هذه الوظائف ويجرد من حق حمل السلاح ومن حق التصرف بحالة ما ويبقى مجردا عن الحقوق المذكورة مدة سنتين ابتداء من اليوم الذي صدر عليه الحكم النهائي وإذا استحق الاسقاط من الحقوق المذكورة ثانيا بموجب حكم جديد فيبقى مجردا عنها مدة عشر سنين تضاف إليها مدة السنتين الأولى "
 يستشف من هذا النص أن المشرع على عهد المقيم العام ليوطي الفرنسي الجنسية المسيحي الديانة  كان قاسيا مع كل شخص وجد في حالة سكر طافح وهو يتمايل في الأماكن العمومية ، لا فرق بين أن يكون الجاني مسلما أو غير مسلم ، وخصص له عقوبة مالية وحبسية تصل حد الحبس ب 6 أشهر ، وفي حالة العود يمكن الحكم عليه بالتجريد من الحقوق الوطنية.ويعلق الحكم في الأماكن العامة . ومن أجل الحفاظ على النظام العام يمكن أن يساق هذا السكير إلى أقرب سجن على نفقته إلى أن يسترجع رشده .
 وانسجاما مع هذا الاتجاه صدر عن وزارة العدل منشورا تحت رقم 49 بتاريخ 19 شتنبر 1958 في موضوع مكافحة انتشار الخمور، ورد فيه أنه لقد قررت الحكومة مباشرة حملة لا هوادة فيها ضد الإدمان على الخمر الذي هو خرق لقواعد الشريعة الإلهية والقانون الوضعي .
 وهذا يعني أن الحكومة في بداية الاستقلال كانت تتناغم مع الاتجاه الذي يزجر معاقرة الخمور أو الاتجار فيه ، بل إن المنشور المذكور سارفي اتجاه  معاقبة جميع الجرائم المرتكبة تحت تأثير الخمور بالعقوبة الأشد . وهذا حال المرسوم الملكي رقم 66.724 بتاريخ 14 نونبر 1967 بمثابة قانون يتعلق بالمعاقبة على السكر العلني الذي نص في فصله الأول على أنه يعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين شهر واحد وستة أشهر وبغرامة يتراوح قدرها ما بين 150 و 500درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ، كل شخص وجد في حالة سكر بين، في الأزقة أو الطرق أو المقاهي أو الكبريهات أو أماكن أخرى عمومية أو يغشاها العموم , ويمكن أن تضاعف العقوبتان إذا تسبب الشخص الموجود بحالة سكر في ضوضاء تقلق راحة العموم .
 وفي حالة العود يمكن الحكم بالحرمان من ممارسة بعض الحقوق الوطنية وحمل السلاح والخدمة في الجيش وممارسة مهنة التعليم وغير ذلك ....
   إذن المشرع المغربي من خلال هذا المرسوم لا يعاقب على واقعة السكر في حد ذاتها وإنما يجب أن يكون الجاني في حالة تلبس بمكان عمومي، والعلنية.  والعلن هنا تحدده محاضر الشرطة القضائية رغم ما قد تعتريها من عيوب وناقص بل وتعسفات في بعض الأحيان ، لا سيما من حيث الاتبات ، خاصة وأن جل المحاضر هذه تتضمن وصف للجمشتبه فيه ،كمعاينة الاحمرار في العينين والتلعتم في الكلام  والرائحة وعدم القدرة على المشي والتركيز، ومع ذلك يشار فيه بأن هذا الظنين قد وقع على المحضر.
ومما يثير الانتباه أن هذا المرسوم الملكي الذي جاء في حالة الاستثناء ، لم يمنع شرب الخمر وإنما من وجد في حالة سكر ، ويعرف من يشرب  الخمر،  أن مراحل السكر متنوعة ، فهناك من يشرب كمية كبيرة من الخمر دون أن يسكر ، وقد يسكر دون أن يفقد الصواب  وبالتالي لا يكون  في وضعية السكر البين ، هناك من يكون في حالة السكر البين مع احداث الضوضاء وبدونهرغم شربه كمية قليلة من الخمر ، والأمر سيان أن يوجد في أماكن خاصة كالمنزل أو عامة كالطرق .
والملفت للانتباه أن المشرع اعتبر الكبريهات مكانا عاما لا يجوز تناول فيها الخمر المؤدي إلى السكر ، وكأن الكبريهات وجدت للتربية والتعليم .
    والواقع أن الدولة المغربية في شخص رئيس الحكومة لا تسمح  ببيع الخمور بمحاداة الأوقاف العامة من قبيل أماكن العبادات والأضرحة والمقابر ، والمؤسسات التربوية والعسكرية والاستشفائية .وفي المقابل فإن منتوج الخمور واستهلاكه يعتبر موردا اقتصاديا هاما قد تخصص بعض الجرائد الوطنية صفحاتها من اجل اشهار انواعه دون ان تتصدى لها السلطات العمومية بالمنع  .
 ولقد اثبتت الدراسات العلمية والطبية أن خطورة الخمور على الصحة كبيرة ، على اعتبار أن الخمور من المواد السامة المؤثرة على القوى العقلية وتحقق أضرارا بالغة على الجهاز الهضمي والوزن الجسماني ناهيك عن ما قد تسببه من هشاشة العظام بسبب نقص من الكالسيوم .
و من المعلوم أنه حسب تقرير مركز بحوث النبيد والمشروبات الكحولية،  فإن المغرب ينتج ما يفوق  100مليون لتر سنويا من الخمور، ناهيك عن كمية الخمور المهربة ، الشيء الذي يظهر هول هذه الآفة الاجتماعية. وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية حول استهلاك المشروبات الكحولية فإن المغرب يحتل المرتبة الثانية من حيث الاستهلاك بعد تونس . ويضخ القطاع ما يناهز 1.1 مليار درهم سنويا في ميزانية الدولة على شكل ضرائب .
المطلب الثاني : مستجدات مسودة مشروع القانوني الجنائي
 ورد في المادة 1 ـ 286  من مسودة مشروع القانون الجنائي بأنه "يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ثلاثة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين ، كل شخص ضبط في حالة سكر علني بين ، في الأزقة أو الطرق أو في أماكن أخرى عمومية ، وتسبب في احداث الضوضاء أو الفوضى أو مضايقة العموم ."
   إذن طبقا للمسودة المذكورة فإن قيام جنحة السكر تتطلب تحقق العناصر التالية :
1 ـ التواجد في حالة السكر ؛
2 ـ أن يكون هذا السكر علنيا وبينا ؛
3 . أن يضبط المعني بالأمر في مكان عمومي ؛
4 ـ أن يتسبب في إحداث الضوضاء أو الفوضى أو المضايقة للجمهور .
وهذا يعني أنه في حالة ما إذا اختل شرط من الشروط الأربعة ، لا تقوم الجنحة . وواضع المسودة عندما استعمل "كل شخص ضبط "  فهو اختار المصطلح الدقيق لأن الضبط ليس من اختصاص الجمهور وإنما السلطات العمومية ، وهذا يعني حالة التلبس . ومع ذلك يجب أن يحرر محضر المعاينة من طرف ضباط الشرطة القضائية ، وفي حالة الشك أو المنازعة يلجأ إلى تحليل الدم أو اعتماد جهاز تحديد كمية الكحول في الدم .  وهذه الوسيلة الأخيرة قد تعتمد بالنسبة للسياقة في حالة السكر.
  ونحن نعتقد بأنمسودة مشروع القانون الجنائي لم تأت  بجديد بل كانت رحيمة بالسكارى ، ولم تعاقب على السكر في حد ذاته وإنماخففت حتى من العقوبة الحبسية التي أتى بها المقيم العام ليوطي حينما رفع من الحد الأقصى  للعقوبة الحبسية التي جعلها 6 أشهر. بل إن قانون الجزاء العماني مثلا رفعها إلى حد السنة، بينما اعتبر قانون العقوبات الأردني  تعاطي المسكرات مخالفة عقوبتها غرامة لا تتجاوز 10 دنانير أو الاعتقال حتى أسبوع .
 وصفوة القول فإن المسودة المشار إليها أعلاه ، بعيدة كل البعد عن الشريعة الإسلامية ، ذلك أنه ورد في القوانين الفقهية لابن جزي أن تطبيق الحد في شرب الخمر تتطلب تحقق بعض الشروطم نها:
1 ـ أن يكون الشارب عاقلا ؛
2 ـ أن يكون بالغا ؛
3, أن يكون مسلما فلا حد على الكافر في شرب الخمر ولا يمنع منه ؛
4ـ أن يكون برضاه  وليس تحت الضغط والاكراه ؛
5ـ ألا يكون الدافع لشرب الخمر غصة ؛
6 ـ أن يعلم بأن المشروب خمرا ؛
 7ـ أن يعلم بأن شرب الخمر حرام.
و يتم التتبث من شرب الخمر بالاعتراف أو الشهادة ، أو بالشم، والعقوبة هي الجلد.
وبالتالي نرى من اللازم إقرار عقوبة شديدة لكل من ارتكب  جناية أو جنحة السكر العلني  في نهار رمضان أو قام بانتهاك أماكن العبادات وحرمات الموتى ، أومؤسسات التربية والتعليم ولا سيما إذا كان من أطر التربية والتعليم  .
بقلم د العربي محمد مياد

جدوى الاهتمام بالضحايا والشهود في البحث الجنائي ودور هذه الفئة في تحقيق العدالة.

   مقدمة
إن من أهم ما تهدف إليه جل التشريعات الدولية والوطنية هو حماية حقوق وحريات الأفراد داخل المجتمع للعيش في سلام وطمأنينة والسهر على الأمن والاستقرار هذه الحماية كرسها المشرع في قوانينه الداخلية سواء الموضوعية أو الإجرائية والتشريع المغربي وعلى غرار باقي التشريعات الأخرى أولى حماية خاصة لكل من تضرر من جريمة أو كان شاهدا على ارتكابها والحديث هنا عن حماية الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين هذه الفئة التي وفرلها مشرع المسطرة الجنائية أول مرة في  تاريخ التشريع المغربي حماية خاصة بمقتضى الظهير الشريف 1-11-164 بتاريخ 17 أكتوبر 2011، بتنفيذ القانون رقم 37.10 القاضي بتغيير وتمتيم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5988 بتاريخ 20 أكتوبر 2011 ومما تجدر الإشارة إليه أن سبب نزول هذا الظهير هو تكريس حماية الحقوق والحريات التي عمل المغرب في السنوات الأخيرة على تكريسها في جل التعديلات التي ادخلها على ترسانته القانونية نظرا لما توفره من تحقيق للعدالة وتكريس سياسة عدم الأفلات من العقاب.
كما انه للحديث عن أي قانون لابد وان نشير إلى إن الدول الديمقراطية والمتطورة كانت سباقة لتنظيم مثل هذه الحالات ومن بين هذه الدول نذكر على سبيل المثال فرسنا والولايات المتحدة الأمريكية وغير من الدول سواء اللاتينية أو الانجلو سكسونية وقد استفاد المغرب من تجارب هذه الدول في هذا المجال.
إن حماية الشهود والخبراء والمبلغين بالتنصيص عليها ضمن نصوص قانونية شيء محمود لكن الإشكال الذي يطرح أمام آي نص قانوني هو تحريكه والعمل به على ارض الواقع وهذا هو بيت القصيد في معرض حديثنا عن حماية هذه الفئة فبالرجوع إلى الإطار العام الذي ينظم حماية هذه الفئة نجد المشرع نص عليه ضمن القسم الثاني مكرر من قانون م.ج تحت عنوان حماية الضحايا والشهود والجبراء والمبلغين لكن الإشكال الذي يطرح في هذا الموضوع هو إلى أي حد استطاع المشرع المغربي من خلال تنصيصه على عدة تدابير لحماية هذه الفئة في تحقيق العدالة؟؟
إن من شان الحديث على هذا الموضوع أن يدفعنا إلى مناقشة التدابير التشريعية لحماية هذه الفئة ودور هذه الحماية في تحقيق العدالة المنشودة بذلك سنحاول تقسيم هذا الموضوع وفق التصميم التالي:
المطلب الأول: تدابيرو نطاق حماية الضحايا والشهود
الفقرة الأولى: تدابير حماية الضحايا والشهود
الفقرة الثانية: نطاق حماية الضحايا والشهود
المطلب الثاني: دور حماية الضحايا والشهود في تحقيق العدالة
الفقرة الأولى: دور حماية الضحايا والشهود أثناء البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي
الفقرة الثانية: دور حماية الضحايا والشهود أثناء فترة المحاكمة.
   
المطلب الأول: تدابير ونطاق حماية الضحايا والشهود.
لقد نص المشرع المغربي ضمن قانون المسطرة الجنائية على عدة تدابير لحماية الضحايا والشهود (الفقرة الأولى) وكذلك نطاق هذه الحماية والجهة المكلفة بتحقيق هذه الحماية لهذه الفئة (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تدابير حماية الضحايا والشهود:
للحديث عن هذه التدابير وهي كثيرة ومتعددة لابد من تناولها في نقطتين أساسيين:
أولا: تدابير حماية الضحايا:
بالرجوع إلى قانون المسطرة الجنائية قبل التعديل الذي ادخله المشرع عليها بمقتضى القانون رقم  37.10 الذي تتم وغير القانون رقم 22.01 نجدها كانت خالية من التنصيص على مقتضي يوفر الحماية للضحية والواضح أن المشرع بتنصيصه على هذا الإجراء الجديد قد تأثر بنظريات علم الإجرام تناولت بشئ من التفصيل  حماية الضحية وهذا يدخل بطبيعة الحال ضمن ما يسمى في علم الإجرام بعلم الضحية.
 ونظرا لان هذه الفئة هي الأول بالحماية وضمن هذه النصوص نجد أن المشرع لا يعرف الضحية مما يمكن القول على أن الضحية هو من تعرض لاعتداء مادي آو معنوي ألحق به ضررا ما، لذلك نجد المشرع ينص في المادة 4-82 من قانون المسطرة الجنائية على انه في محالة تعرضه لهذا الاعتداء أن النيابة العامة بالجريمة التي ارتكبت في حقه وان ينصف كطرف مدني أمام قاضي التحقق أو أمام هيئة الحكم في حالة ما إذا كان التحقيق غير إلزامي.
ويقوم وكيل الملك أو الوكيل العام للملك أو قاضي التحقق كل فيما يخصه باتخاذ تدابير لحماية الكفيلة بتامين سلامة الضحية و أفرادأسرتهوأقاربهأو ممتلكاته من كل ضرر قد يتعرض له جراء نقدية شكاية ويمكن لهذه الغاية أن يوضع رهن إشارة الضحية بعض من هذه التدابير وهي كالتالي:
رقم هاتفي خاص بالشرطة القضائية أو لمصالح الأمنية يمكنه الاتصال به في أي وقت تطلب الحماية وذلك نظرا لإمكانية تعرضه لتهديدات معينة.
كذلك توفير حماية جسدية له ولأفراد عائلته من طرف القوة العمومية كما يمكن للنيابة العامة، أن تطلب منه تغيير أماكن إقامته وعدم إفشاء المعلومات المتعلقة بهويته وهذا يدخل ضمن سرية البحث والتحقيق.
والاهم ضمن هذه التدابير أنها لم تأتي على سبيل الحصر بل أعطى المشرع بمقتضى المادة 5-82 في الفقرة ما قبل الأخيرة للنيابة العامة و قضاء التحقيق اتخاذ أي تدبير آخر يعتبر ضمانة فعلية لفائدة مستحق الحماية شريطة أن يكون هذا القرار معللا.
ثانيا: تدابير حماية الشهود:
على غرار الحماية التي وفرها المشرع للضحية نجد الشاهد الذي خصه المشرع بحماية خاصة ضمن مقتضيات المادة 6-82 من قانون المسطرة الجنئاية كما آن هذه الحماية تختلف عن ما كان مقررا ضمن القواعد العامة التي تهم الشهود  في الجرائم العادية بحيث جدوى الاهتمام بهذه الفئة هو دورها في بعض الجرائم التي يطبعها التستر وصعوبة الكشف عن مرتكبيها والحديث هنا عن جرائم الرشوة و استغلال النفوذ أو الاختلاس أو الغدر أو غسل الأموال أو الجرائم الإرهابية والعصابات الإجرامية وجرائم الاختطاف والتسمم والتزييف وتزوير النقود إلى غير ذلك من الجرائم التي عاقب عليها المشرع ضمن القانون الجنائي.
ومن هذه التدابير نذكر مثلا إخفاء هوية الشاهد أو الخبير في المحاضر والوثائق التي تتعلق بالقضية المطلوب فيها شهادة الشاهد أو إفادة الخبير وذلك بشكل يخول دون التعرف على هويته الحقيقية.
تضين هوية مستعارة أو غير صحيحة للشاهد و الخبير في المحاضر والوثائق التي ستقدم أمام المحكمة بشكل يحول دون تعرف الغير على هويته.
عدم الإشارة إلى العنوان الحقيقي للشاهدة أو الخبير والى مقر الشرطة القضائية التي تم فيها الاستماع إلى الشاهدة آو المحكمة المختصة للنظر في القضية إذا ما كان قد استدعي الأول مرة أمام قاضي التحقيق أو المحكمة ولكن التساؤل الذي يمكن أن يطرح هو ما العمل إذا كان هذا الشاهد هو الوسيلة الوحيدة للإثبات في قضية معينة  فهل سيظل التستر على هويته ممكنا؟
لقد أجاب المشرع على هذا الإشكال ضمن المادة 8-82 من قانون المسطرة الجنائية في الفقرة الثانية من نفس المادة بالتنصيص صراحة على انه " إذا كان الكشف عن هوية الشخص ضروريا لممارسة حق الدفاع جاز للمحكمة إذا اعتبرت أن شهادة الشاهد هي الوسيلة الوحيدة للإثبات في القضية السماح بالكشف عن هويته الحقيقة بعد موافقته شريطة توفير تدابير الحماية الكافية له".
والملاحظ أن المشرع اشترط موافقة الشاهد قبل كشف هويته وهذه ضمانة فعلية له بحيث انه إذا أحس على أن تدابير الحماية سوف لن توفر له أن يرفض هذا الإجراء ولكن بالمقابل سوف يفلت الفاعل من العقاب لأنه الوسيلة الوحيدة للإثبات ورغم أن الإثبات في الجنايات غير مقيد فان هناك قاعدة جوهرية ضمن القانون الجنائي، أن الشك يفسر لمصلحة المتهم.
الفقرة الثانية: نطاق حماية الضحايا والشهود.
إن الحديث عن البحث الجنائي يدفعنا إلى الحديث عن جميع الإجراءات التي تتخذ للوصول إلى الحقيقة ومنها يمكن القول على أن البحث الجنائي تقوم به الضابطة القضائية في مرحلة البحث التهميدي تحت إشراف النيابة العامة أو قاضي التحقيق وكذلك يمكن أن تقوم به هيئة الحكم للتثبيت من نسبة الجريمة إلى المتهم ومن هنا يمكن تقسيم نطاق الحماية إلى ثلاث نقط وهي:
من حيث الزمان والحديث عن مرحلة البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي وصولا إلى مرحلة المحاكمة ومن حيث الجهة المكلفة باتخاذ تدابير الحماية ومن حيث الأشخاص المتوفرة لهم الحماية.
أولا: من حيث الزمان:
المقصود بالزمان ما هو زمن وصول الارتكاب الفعل المجرم إلى علم السلطات المختصة أما من طرف الضحية أو الشاهد فإذا تقدم الشاهد والضحية إلى التبليغ عن الفعل لدى مصالح الشرطة القضائية فإنها تستمع إليه بناء على تعليمات النيابة العامة التي تسير كل ما يخص عمل الضابطة القضائية ومن بين هذه الضمانات التي أوجبها المشرع للشاهد أو الخبير هو انه يمكن أن يستمع إليه شخصيا نظرا إلى خطورة الجريمة من طرف النيابة العامة.
أما أثناء مرحلة التحقيق فان المشرع أعطى للضحايا الذي تضرروا من ارتكاب جريمة ما إن ينتصبوا كأطراف مدنية أمام قاضي التحقيق طبقا لمقتضيات المادة 92 من قانون المسطرة المدنية.
كما أعطى للشاهد حماية أمام قاضي التحقيق كذلك تتمثل في عدم الإشارة إلى العنوان الحقيقي للشاهد أو الخبير ضمن المحاضر والوثائق التي ستقدم أمام المحكمة بشكل يحول دون تعرف الغير على هويته الحقيقية وهذا الإجراء من شان أن يمنع قاضي التحقيق من ممارسة مقتضيات المادة 125 من قانون المسطرة الجنائية التي تعطي إمكانية لقاضي التحقيق في مواجهة الشاهد مع المتهم تكريسا لحماية الشاهد وكذلك الآمر بالنسبة لمرحلة المحاكمة.
ثانيا : من حيث الأشخاص المكلفين بالحماية:
بالرجوع لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية الخاصة بتدابير حماية الضحايا الشهود والخبراء والمبلغين نجد المشرع اسند الاختصاص بالسهر عليها للنيابة العامة وكذا قضاء التحقيق كل حسب اختصاصه.
ثالثا: الأشخاص المعنيين بالحماية
ان الاشخاص المعنيين بالحماية ضمن القانون رقم 37.10 هم :                                                           
-الضحاية
-الشهود
-الخبراء والمبلغين
المطلب الثاني: دور حماية الضحايا والشهود في تحقيق العدالة:
إن الهدف الرئيسي الذي أراد المشرع تحقيقه من وراء توفير الحماية للضحايا والشهود في البحث الجنائي هو الوصول إلى الحقيقة لتحقيق السلم والأمن الاجتماعيين وعدم الإفلات من العقاب وتوقيع الجزاء على مرتكب الأفعال التي تكون مخالفة للقانون.
لذلك وجب مناقشة دور هذه الحماية في جميع مراحل المحاكمة بدءا من البحث التمهيدي مرورا بالتحقيق والإعدادي وصلا إلى المحاكمة وصدور حكم يكون عنوانا للحقيقة.
الفقرة الأولى:دور حماية الضحايا والشهود أثناء البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي.
إن من شان توفير الحماية لهذه الفئة التي تعتبر مهمة في مساعدة الشرطة القضائية وهيئة التحقيق في الوصول إلى الحقيقة و توفير محاكمة عادلة متوفر على جميع ضمانات القانونية والقضائية وكما هو معلوم فالمادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية تنص على أن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته قانونا بحكم  مكتسب لقوة الشيء المقضي به.
يعتبر البحث التمهيدي المرحلة الأولى لجمع الحقائق والمعطيات عن كل قضية تشكل جريمة، بمقتضى القانون وتقوم به الشرطة القضائية تحت إشراف وكيل الملك أو الوكيل العام للملك حسب نوع الجريمة المرتكبة (جناية آم جنحة).
فالضحية في بعض الأحيان لا يود التبليغ عن الفعل الذي سببه له شخص  أخر نظرا للتهديدات التي قد يتلقاه في حالة تبليغه عن الجريمة التي ارتكبت ضده مثال جرائم الاغتصاب التي غالبا ما يعمد مرتكبها إلى تهديد الضحية بشتى وسائل التهديد في حالة التبليغ عنه وكثيرة هي الجرائم التي لا تصل إلى علم الجهات المختصة لتوقيع الجزاء على مرتكبها خوفا منه أو من انه شخصية له نفوذ معينة داخل المجتمع.
فحسنا فعل المشرع بتوفير الحماية للضحية لكي يشجعه على التبليغ عن الجرائم التي ارتكبت ضده من طرف الجني.
وكذلك هو الأمر بالنسبة للشاهد الذي يمكن أن يلاحظ ارتكاب جرائم أمامه ولا يستطيع التبليغ عنها وخير مثال على هذه الجرائم اختلاس المال العام والتي يرتكبها المسئولين وهذا الشاهد يكون مرؤوس ولا يعقل انه سوف يبلغ عن رئيسه لأنه يخاف من ضياع مورد رزقه فكان توفير الحماية القانونية إليه  شيء ضرورة لكي تصل هذه الأفعال إلى علم الجهات القضائية المختصة لكي ينال جزاء على ما ارتكبه من أفعال وضمان حماية للشاهد الذي يبلغ عن هذه الأفعال.
وتجدر الإشارة إلى أن القضاء المغربي كان يعرف صعوبة كبيرة في الوصول إلى اتهام شخص معين لعدم قدرة الأشخاص على أن يشهدوا أو يبلغوا عن مرتكبي الجرائم والحديث هنا عن القضاء الواقف (النيابة العامة) لأنه يجب أن تثبت أن الشخص المتهم هو من ارتكب الجريمة لان النيابة العامة تكون طرفا في مواجهة الطرف الأخر وهو المتهم.
لذلك كان من الضروري توفير حماية للضحايا والشهود أثناء مرحلة البحث التمهيدي و التحقيق الإعدادي تمهيدا لمرحلة المحاكمة وهدور الحكم.

الفقرة الثانية: دور حماية الضحايا والشهود أثناء فترة المحاكة:
إن مرحلة المحاكمة هي أخر مرحلة قبل صدور الحكم الذي يكون عنوانا للحقيقة وبما أننا نتحدث عن البحث الجنائي فإننا نكون أمام جنائية أو جنحة فقضاء الحكم كذلك يقوم بتحقيق أثناء الجلسة لكي يرى مدى مطابقة تصريحات المتهم مع ما أدلى به في جميع مراحل الدعوى العمومية واستماع إلى كل من ملتمسات النيابة العامة وكذا دفاع المتهم نظرا لما يضمنه له القانون من حقوق الدفاع أثناء المحاكمة وجدير بالذكر آن الضحية  في هذه المرحلة لا يطالب إلا بحقوقه المدنية لان المطالبة بتوقيع الجراء والعقاب هو من اختصاص النيابة العامة وهذه الحقوق المدنية تتمثل في التعويض عن ما لحقة من أضرار جراء الفعل الذي ارتكب ضده.
أما بالنسبة لدور الشاهد أثناء مرحلة المحاكمة ونظرا لما وفره له المشرع من تدابير للحماية فانه يدلي بشهادته بعد أدائه اليمين المنصوص عليها ضمن المادة 325 من قانون المسطرة الجنائية ويستدعى الشاهد تلقائيا من طرف المحكمة  أوبناء على طلب النيابة العامة أو الطرف المدني أو المتهم أو المسؤولية عن الحقوق المدنية طبقا للإجراءات المعمول بها قانونا لاستدعاء الشهود ولكن تمييزا لهذه الفئة من الشهود عن ما هو منصوص عليها ضمن القواعد العامة لاستماع إلى الشهود العاديين .
ويتجلى هذا التمييز في طريقة الاستماع إلى الشاهد لأنه في أتناء أداء الشاهدة في الجرائم المشار إليهاأعلاه والتي لا يود الشاهد الكشف عن هويته فيها فانه يتم الاستماع إليه في مكان خاص لا يراه فيه احد وبصوت غير صوته الحقيقي حماية له ولكن في حالة استثنائية يمكن للمحكمة أن تكشف عن هويته بعد اخذ موافقة منه إذا كان هو الوسيلة الوحيدة في الإثبات لان القاضي الجنائي يحكم حسب إقتناعه الصميم ومن شان الشكل إن يفسر لصالح المتهم (المادة1 من ق.م.ج).
لذلك فان هذه الفئة لها دور رئيسي وفعال في البحث الجنائي في جميع مراحل المشار إليها أعلاه لأنها السبيل الوحيد للوصول إلى مرتكبي أفعال إجرامية تضر بالفرد خاصة وبالمجتمع عامة.
فكانت هذه الحماية خطوة ايجابية نحو تحقيق الحق والإنصاف والعدالة التي يتطلع إليها واضع النصوص القانونية.
لكن لازالت هذه النصوص تعرف شيء من الركوض وعدم العمل بها نظرا لقلة الآليات المعتمدة في الرقابة وعدم استيعابها من طرف مكونات المجتمع مما يؤخر بشكل  ملحوظ العمل بهذه الإجراءات ولكن تبقى نقطة تحسب لتشريعنا الحديث  مجال تحقيق العدالة وسمو القانون لان الاهتمام بهذه الفئة يلعب دورا كبير في تكريس سياسية عدم الإفلات من العقاب وربط المسؤولية بالمحاسبة.


محمد نعومي طالب باحث بسلك ماستر القانون والممارسة القضائية جامعة محمد الخامس الرباط

المحكمة الابتدائية بالقنيطرة: يترتب عن مخالفة مقتضيات المادتين 23 و24 من قانون المسطرة الجنائية عند تحرير محاضر الضابطة القضائية، والتي توجب، حصرا، تحريرها من قبل ضباط الشرطة القضائية وليس أعوانهم، عدم الاعتداد بها وإبعادها عن دائرة الاعتبار



القاعدة

يترتب عن مخالفة مقتضيات المادتين 23 و24 من قانون المسطرة الجنائية عند تحرير محاضر الضابطة القضائية، والتي توجب، حصرا، تحريرها من قبل ضباط الشرطة القضائية وليس أعوانهم، عدم الاعتداد بها وإبعادها عن دائرة الاعتبار.
لما كانت القوة الثبوتية لمحاضر الضابطة القضائية واضحة ولا لبس فيها طبقا للمادة 290 أعلاه، فإنه يدخل ضمن السلطة التقديرية للمحكمة ألا تَأْخُذ بما يرد فيها بخصوص الجنح والمخالفات لعدم اطمئنانها لها.



المملكــة المغربية
محكمـة الاستئنــاف بالقنيطــرة
المحكمة الابتدائية بالقنيطرة

 
باســـم جلالـــــة الملـــــك وطبقا للقانون

ملف جنحي رقم : 3694-2106-13
تعرض عدد: 1535-14
حكم عدد :        
صادر بتاريـخ : 27-10-2014

      
أصدرت المحكمة الابتدائية بالقنيطـرة، وهي تبت في القضايا الجنحية العادية، بتاريخ 27 أكتوبر 2014، الحكم الابتدائي الآتي نصه :
بين السيد :
 
وكيل الملك بهذه المحكمة ؛
   من جهــة                                                 
وبين المسمى :
(م.ز).
 
المتهم بارتكابه داخل الدائرة القضائية لهذه المحكمة، ومنذ زمن لم يمض عليه أمد التقادم الجنحي، جنحة إهانة عناصر القوة العمومية أثناء مزاولتهم لمهامه، الأفعال المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 263 من القانون الجنائي.
 
يؤازره الأستاذ (....)، المحامي بهيأة القنيطرة.
من جهــة أخرى
 
الوقائع

بناء على التعرض المرفوع من طرف المتهم، حسب التصريح المؤرخ في 15-05-2014، ضد الحكم الغيابي الصادر عن هذه المحكمة، بتاريخ 22-01-2014 في الملف الجنحي رقم 3694-13 والقاضي : "بإدانة المتهم من أجل المنسوب إليه، والحكم عليه بأربعة (04) أشهر حبسا نافذا، وغرامة نافذة قدرها (500) درهم، مع تحميله الصائر والإجبار في الأدنى".

وبناء على محضر الضابطة القضائية المنجز من طرف عناصر الدائرة الرابعة لأمن القنيطرة عدد 538 المؤرخ في 23-04-2013، والذي يستفاد منه، أن المتهم المتعرض قد عرض عناصر الشرطة المسمين: (أ.ل)، و(ي.س)، وكذا الضابط (ع.ي)، للإهانة وهم أثناء مزاولتهم لمهامهم، وذلك لما استوقف سيارته، رفقة المسمى (ن.ق)، أمام مقر الديمومة للأمن في الوقت الذي كان فيه الشرطيين الأولين على أهبة الانطلاق نحو حي الصفاء قصد القيام بتدخل أمني، الأمر الذي قام معه بـ"البصق" في اتجاههم بصوت مسموع، وبعبارة "اتفووو"، وبعد مرافقته لهما إلى مقر الديمومة، أحدث ضوضاء بها، وتفوه بعبارات تهديدية، من قبيل:"دابا نوريكم شنو غادي ندير ليكم"، و"تعديتو علي في قضية الموطور ودابا باغين طيحو علي الباطل يا مجموعة الظالمين"، و"الحكارة الرشايوية الشفارة".

وبناء على الاستماع تمهيديا إلى المتهم في محضر رفض توقيعه إلي حين مثوله أمام النيابة العامة، أنكر أن يكون قد بصق اتجاه العناصر المذكورة، مضيفا، أن هذه الأخيرة، هي من سبق وأن اكتشفت تزويره للورقة الرمادية الخاصة بدراجته النارية، ثم أحالته على النيابة العامة، فأفرجت عنه بكفالة.
وبناء على إحالة المسطرة على السيد وكيل الملك، حيث تابع المتهم في حالة سراح من أجل ما سطر أعلاه، وحكمت المحكمة بحكمها الغيابي المشار إليه أعلاه، قبل أن يتعرض عليه أمامها من جديد.

وبناء على إدراج القضية بعدة جلسات كان آخرها جلسة 07 يوليوز 2014، حضر خلالها المتهم المتعرض مؤازرا بدفاعه، وحضر من الشهود: (ن.ق)، فأمرت المحكمة بانسحابه من قاعة الجلسات إلى حين المناداة عليه.

وبناء على التحقق من هوية المتهم وإشعاره بالمنسوب إليه، أجاب بالإنكار جملة وتفصيلا، مضيفا أنه هو من تعرض للاعتداء من قبل عناص الشرطة، وأنه لديه مع (ع و أ) عداوة كونه رفض تسليمهما مبلغ 170 ألف ريال كرشوة، وأنه كان داخل سيارته إلى أن فوجئ بأحدهم يخرجه من سيارته، وقاموا بتصفيده وأدخلوه إلى المخفر، لا لشيء إلا لأنه رفض تسليمهم المبلغ المذكور.

وبناء على مناداة الشاهد (ن.ق)، وبعد التأكد من هويته ونفيه لمبطلات الشهادة، وأدائه اليمين القانونية، صرح بأنه كان مدعوا إلى حفل زفاف، ولما كان قادما رفقة المتهم، توقف هذا الأخير قرب مقر الشرطة، فحضرا شرطيين وقاما بإخراجه من السيارة وأدخلوه المخفر، وقاما بتصفيده وربطه، وأن أحدهم قام بالاعتداء عليه وضربه على مستوى وجهه، وأن المتهم لم يبصق عليهم ولم يقم بسبهم، وأنه لم يعرف السبب في ذلك إلا من بعد، فعلم أن الأمر يتعلق بوثائق درجاة المتهم، مضيفا أن المتهم لما كان مربوطا كانوا يمسكونه من ملابسه، وبعدها ذهبوا به إلى مكان آخر فلم يعد يراه، وأنه سمع أحد رجال الشرطة يقول له:"اسكت لدين امك"، وكان المتهم يرد عليهم بـ :"أنا لن أسمح في حقي وأنكم تعديتم علي"، مؤكدا أن رجال الشرطة منعوه –أي الشاهد- من قراءة المحضر، وأن ما دون به كتصريحات له ليست صادرة عنه، وأنه أرغم على أن يوقع المحضر دون أن يقرأه بالضرب على مستوى رأسه، وصرح لهم بـ "ديرو ليبغيتو".

وبناء على قرار المحكمة القاضي بتأخير القضية قصد استدعاء محرري المحضر كشهود، وهم: الضابط (ع.ي)، والمفتش (أ.ل) والمفتش (ي.س) تحت إشراف السيد وكيل الملك، مع إعلام الشاهد (ن.ق) بضرورة حضوره لجلسة 14-07-2014.

ويناء على إعادة إدراج القضية بهذه الجلسة، حضر خلالها المتهم المتعرض مؤازرا بدفاعه، كما حضر الشاهد (ن.ق)، وتخلف عن الحضور محرري المحضر، والتمس السيد وكيل الملك مهلة كافية لإحضارهم نظرا لطبيعة عملهم التي تتطلب بعض الوقت. والتمس دفاع المتهم اعتبار القضية جاهزة بالنظر للحالة الصحية للمتهم باعتباره مريضا بمرض خبيث، وسيخضع لعملية جراحية بالخارج. فقررت المحكمة تأخير القضية قصد إمهال السيد وكيل الملك للإشراف على تبليغ محرري المحضر لجلسة 21-07-2014.

وبناء على إدراج القضية بهذه الجلسة، حضرها المتهم المتعرض مؤازرا بدفاعه، وحضر الشاهد (ن.ق)، وتخلف عن الحضور محرري المحضر، وألفي بالملف شواهد التسليم المتعلقة بهم خالية من أي بيانات. والتمس السيد وكيل الملك مهلة إضافية من أجل السهر على التبليغ، فذَكَّرته المحكمة بمقتضيات المادتين 37 و40 من قانون المسطرة الجنائية التي جعلت منه الساهر على تنفيذ المقررات القضائية الصادرة بـ "اسم جلالة الملك وطبقا للقانون"، ثم قررت عدم الاستجابة لملتمسه، والعدول عن أمرها الولائي السابق، والذي بمقتضاه تم تكليفه بالسهر على تبليغ محرري المحضر، مع إسناد ذلك لدفاع المتهم المتعرض.

وبناء على إعادة إدراج القضية بجلسة 08-09-2014، حضر خلالها المتهم المتعرض مؤازرا بدفاعه، وتخلف محرري المحضر الذين تم استدعاؤهم كشهود في هذه النازلة رغم توصلهم بطريقة قانونية، فقررت المحكمة تغريمهم بمبلغ (12.000) درهم لكل واحد منهم مع إعادة استدعائهم وتبليغهم لهذا القرار، والإذن لدفاع المتهم بالسهر على التبليغ لجلسة 13-10-2014.

وبناء على إعادة إدراج القضية بهذه الجلسة، حضر خلالها المتهم المتعرض مؤازرا بدفاعه، وحضر محرري المحضر كشهود، وهم: الضابط (ع.ي)، والمفتش (أ.ل)، والمفتش (ي.س). وبعد سماع سبب تخلفهم عن الجلسة السابقة، قررت المحكمة العدول عن قرارها السابق والقاضي بتغريم محرري المحضر لمشروعية مبررهم ذي الطبيعة الإدارية. كما حضر الشاهد (ن.ق)، فأمرت المحكمة بانسحاب كل الشهود من قاعة الجلسات إلى حين المناداة عليهم.

وبناء على إعادة استنطاق المتهم حول المنسوب إليه، أجاب بالإنكار، مضيفا أن محرري المحضر هم من اعتدوا عليهم، وهو لم يعتد عليهم.
 
وبناء على مناداة الشاهد (ن.ق)، وبعد التأكد من هويته ونفيه لمبطلات الشهادة، وأدائه اليمين القانونية، صرح بأن محرري المحضر قاموا بإدخال المتهم إلى مخفر الشرطة، وشاهده وهو يتعرض للضرب من طرف أحدهم بصفعة وهو مقيد بدرج المخفر، وأن المتهم لم يقم بسب الشرطة أو البصق عليهم، وأنه تعرض للتهديد أثناء الاستماع إليه، مضيفا أنه سمع المتهم يصيح وهو يقول "سأقاضيكم"، وأنه لم يصرح بالمضمن في محضر أقواله، وأنه أرغم على التوقيع عليها بضربه من قبل أحد رجال الشرطة بالهاتف (الراديو) على مستوى رأسه.

وبناء على الاستماع إلى الضابط محرر المحضر (ع.ي) كشاهد، وبعد التأكد من هويته ونفيه لمبطلات الشهادة، وأدائه اليمين القانونية، صرح أنه لم يشاهد البصق، مضيفا أنه شاهد المتهم وهو يسب رجال الشرطة باللصوص والشفارة وسب والديهيم، موضحا أنه لم يتذكر إن كان قد عرضه أحدهم للضرب، وأنه لا يظن ذلك، وأنه هو من حرر محضر الاستماع إلى المتهم، وأن محضر استماع الشاهد (ن.ق) يحمل توقيعه ولكن ليس هو من حرره، وإنما حرره المفتش (أ.ل)، موضحا أن الشاهد لم يرغم على التوقيع.

وبناء على مواجهة الشاهد بالضابط محرر المحضر، صرح أنه هو من عرضه للضرب بواسطة الهاتف (الراديو) على مستوى رأسه، وأن مساعد الضابط هو من استمع إليه، وأنكر تصريحاته بمحضر الضابطة القضائية، مضيفا أن المتهم لم يسب عناصر الشرطة، ولم يبصق عليهم، وأنه –أي المتهم- هددهم باللجوء إلى القانون.

وبناء على الاسترسال في الاستماع إلى الضابط محرر المحضر (ع.ي)، سئل عن: لماذا المفتش (أ.ل) هو من حرر محضر استماع الشاهد وهو المشتكي؟ فأجاب بأن هناك مجموعة من الإكراهات، مضيفا أنه قرأ المحضر ثم وقع عليه.

 
وبناء على الاستماع إلى المفتش (أ.ل) كشاهد، وبعد التأكد من هويته ونفيه لمبطلات الشهادة، وأدائه اليمين القانونية، صرح أنه هو من حرر المحضر، وأن الضابط (ع.ي) هو من استمع إلى المتهم، قبل أن يضيف بأن ضغط العمل هو الذي جعله يحرر المحضر ويوقعه الضابط، موضحا أنه بالفعل كان من المفروض أن يحرر المحضر ضابط آخر وليس هو لكونه مشتكي.

وبناء على قرار المحكمة القاضي بالاستغناء عن الاستماع إلى المفتش (ي.س) المصروف عن قاعة الجلسات، والاكتفاء بمن استمع إليهما.
وبناء على كلمة السيد وكيل الملك الذي التمس من خلالها الحكم بإدانة المتهم. كما التمس دفاع المتهم أساسا الحكم ببراءة مؤازره لانعدام الإثبات، واحتياطيا تمتيعه بأقصى ظروف التخفيف. وبعد أن كان المتهم آخر من تكلم، تقرر اختتام المناقشات وحجز القضية للتأمل لجلسة 27-10-2014.

وبعد التأمل وطبقا للقانون
من حيث شكل التعرض
حيث قدم التعرض من قبل المتهم وفق الشروط الشكلية المتطلبة قانونا، مما يتعين معه التصريح بقبوله شكلا.
 
من حيث موضوع التعرض
 
حيث توبع المتهم من طرف السيد وكيل الملك بهذه المحكمة من أجل ما سطر أعلاه.

وحيث أنكر المتهم تمهيديا، وفي محضر قانوني رفض توقيعه إلي حين مثوله أمام النيابة العامة، أن يكون قد بصق اتجاه عناصر القوة العمومية أو عرضهم للإهانة.

وحيث استُنطق المتهم حول المنسوب إليه من طرف السيد وكيل الملك، فأجاب بالإنكار جملة وتفصيلا.

وحيث استُنطق المتهم حول المنسوب إليه من طرف هذه المحكمة، فأكد كل تصريحاته التمهيدية المشار إليها، مضيفا أنه هو من تعرض للاعتداء من قبل عناص الشرطة، وأن لديه مع الضابط (ع) والمفتش (أ) عداوة كونه رفض تسليمهما مبلغا كرشوة، وأنه كان داخل سيارته إلى أن فوجئ بأحدهم يخرجه من سيارته، وقاموا بتصفيده وأدخلوه إلى المخفر لا لشيء، إلا لأنه رفض تسليمهم المبلغ المذكور.

وحيث إن "المحاضر والتقارير التي يحررها ضباط الشرطة القضائية في شأن التثبت من الجنح والمخالفات يوثق بمضمنها إلى أن يثبت العكس"، طبقا للمادة 290 من قانون المسطرة الجنائية.

وحيث إنه، وبرجوع المحكمة إلى المحاضر المنجزة في هذه القضية، اتضح لها أن محضر استماع الشاهد نبيل قلال، والذي أكد فيه ثبوت كل المنسوب إلى المتهم، مُحَررٌ من طرف المشتكي مفتش الشرطة (أ.ل) باسم الضابط (ع.ي) دونما أي إشارة إلى مساعدته لهذا الأخير، مما يعني أن الشاهد استُمع له من قبل المفتش المشتكي وليس الضابط المؤهل قانونا لذلك، وهو ما أكده هذا الأخير بقوله أمام المحكمة: "إن المحضر يحمل توقيعه ولكن ليس هو من حرره، وإنما حرره المفتش (أ.ل)، (..) إنه قرأ المحضر ثم وقع عليه"، قبل أن يؤكد المشتكي نفسه ذلك ضمنيا، بأن :"ضغط العمل هو الذي جعله يحرر المحضر ويوقعه الضابط". مُعَززا الشاهد المعني هذا بقوله أمام المحكمة: "إن مساعد الضابط هو من استمع إليه"، الأمر الذي يتعين معه عدم الاعتداد بهذا المحضر وإبعاده عن دائرة الاعتبار، نظرا لمخالفته مقتضيات المادتين 23 و24 من قانون المسطرة الجنائية، التي توجب، حصرا، تحرير المحاضر المعتمدة قانونا من قبل ضباط الشرطة القضائية وليس أعوانهم، وذلك بتضمينها ما عاينوه شخصيا، وما تلقوه من تصريحات، وما قاموا به من عمليات.

وحيث إنه، وتعضيدا لعدم الاعتداد بالمحضر المذكور، أفاد الشاهد (ن.ق) أمام هذه المحكمة بأنه: "لم يصرح بالمضمن في محضر أقواله، وأنه أُرغم على التوقيع عليها بضربه من قبل أحد رجال الشرطة بالهاتف (الراديو) على مستوى رأسه"، قبل أن يُواجه برجال الشرطة المعنيين أمامها، فيَتَعَرف تلقائيا على الضابط (ع.ي) باعتباره هو من أرغمه على التوقيع.

 
وحيث إنه، واعتبارا لما سبق، وبالرجوع إلى محضر المعاينة المنجز في القضية، يتبين للمحكمة أنه منجز من قبل الضابط (ع.ي)، وهو الذي أرغم الشاهد على توقيع محضر استماعه حسب الثابت مما راج أثناء المواجهة أمامها، مما يفيد احتمال خروجه عن واجب الحياد عند تحريره للمحضر
المذكور، لاسيما وأنه ممن يشتكي المتهمَ تعريضه للإهانة ؛ الأمر الذي لم تطمئن معه المحكمة إلى محتواه، وقررت عدم الاعتداد به أيضا.

وحيث إن مما يزيد من عدم اطمئنان المحكمة هذا، هو ما شاب هذا المحضر من تناقضات لاسيما فيما تعلق بمدى إصدار النيابة العامة لتعليماتها في الموضوع من عدمها، فالضابط محرر محضر المعاينة يشهد بكونه تلقى تعليمات من طرف السيد وكيل الملك بوضع المتهم في الحراسة النظرية. في حين، يشير ذات الضابط، في محضر استماع المتهم، بأن قرار وضع هذا الأخير تحت الحراسة النظرية اتُخذ بدون تعليمات النيابة العامة، وأنه أشعرها بذلك فقط، وهو ما يناقض تماما ما جاء على لسانه أمام المحكمة، قائلا: "إن هناك تعليمات شفاهية ضمنية من النيابة العامة".

وحيث لما كانت القوة الثبوتية لمحاضر الضابطة القضائية واضحة ولا لبس فيها طبقا للمادة 290 أعلاه، فإنه: "يدخل ضمن السلطة التقديرية للمحكمة ألا تَأْخُذ بما يرد في محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات لعدم اطمئنانها لها" (قرار محكمة النقض 1247، مؤرخ في 28-03-2002، منشور بمجلة الملف عدد 10، ص 229).

وحيث إنه، وبعد عدم الاعتداد بمحضر المعاينة أيضا، وتقديرا من المحكمة لتصريحات الشهود والموازنةِ بينها، اطمأنت إلى شهادة الشاهد (ن.ق)، وارتأت الركون إليها عند تكوين قناعتها، باعتباره كان حاضرا ساعة الواقعة، فضلا عن اتسامها بالوضوح والانسجام، مع تطرقها لأدق تفاصيل القضية من بدايتها إلى نهايتها، إذ أفاد بـ : "أن أحد رجال الشرطة قام بالاعتداء على المتهم وضربه على مستوى وجهه، وذلك لما صفدوه وربطوه بدرج المخفر، وأن هذا الأخير لم يبصق عليهم ولم يقم بسبهم، قبل أن يذهبوا به إلى مكان آخر فلم يعد يراه، وأنه سمع أحد رجال الشرطة يقول له:"اسكت لدين امك"، وكان المتهم يرد عليهم بـ "أنا لن أسمح في حقي وأنكم تعديتم علي" (..)". في حين، لم تطمئن إلى تصريحات عناصر الشرطة، وارتأت استبعادها، وذلك بالنظر إلى تناقضها وعدم حيادها الموضوعي، لاسيما أثناء مواجهتهم بالشاهد المذكور آنفا.

وحيث إنه، وتأسيسا على كل ما سلف، فإن لا دليل للمحكمة على ثبوت جنحة إهانة عناصر القوة العمومية أثناء مزاولتهم لمهامهم في حق المتهم، نظرا لخلو الملف من أية وسيلة قاطعة تثبت ذلك، لاسيما وأن المحكمة قد استبعدت محضر المعاينة وفق التعليلات أعلاه، وأن المتهم متشبث بالإنكار في كل مراحل المحاكمة، فضلا عن أن الشاهد المعتمد في القضية نفى معاينته لواقعة السب والبصق، بل أفاد كون المتهم هو من تعرض للضرب من قبل رجال الشرطة ؛ مما يتعين معه القول بعدم مؤاخذته من أجلها، والتصريح ببراءته، عملا بالمبدأ الدستوري القاضي بأن :"الأصل في الإنسان البراءة"، والمبدأ القانوني والقضائي القائل بأن الأحكام الجنائية "لا تبنى على الشك والتخمين بل على الجزم واليقين".

وحيث تبعا لكل هذا، يتعين تحميل الخزينة العامة صائر الدعوى، تطبيقا للمادة 367 من قانون المسطرة الجنائية.

وتطبيقا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية، وكذا فصول المتابعة.

 
لهذه الأسبـــاب

تصرح المحكمة علنيا وابتدائيا وحضوريا:
 

في شكل التعرض: بقبوله شكلا ؛
 
في موضوع التعرض: ببطلان الحكم الغيابي المتعرض عليه فيما قضى به من إدانة للمتهم (م.ز)، مع التصريح بعدم مؤاخذته من أجل المنسوب إليه، والحكم ببراءته، وتحميل الخزينة العامة الصائر.
 
 
وبهذا، صدر القرار وتلي بالجلسة العلنية المنعقدة في اليوم والشهر والسنة أعلاه، بقاعة الجلسات الاعتيادية بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، وهي مشكلة من نفس الهيئة التي ناقشت القضية، والمتركبة من السادة:
 
  الأستاذ: عبد الرزاق الجباري        رئــــيـــســـا
بحضور السيد   مونية الرياشي     ممثلا للنيابة العامة
وبمساعدة السيد  عزيز بنشرع           كاتبا للضبط
الرئيــس                                                               كاتب الضبط

خصوصية البحث عن الجريمة الإلكترونية

تعد إجراءات البحث و التحري أكثر إجراءات المسطرة الجنائية تأثرا بالتحولات العامة الإجتماعية و الإقتصادية و التكنولوجية التي يعرفها محيطها القانوني، فلما كانت الجريمة الإلكترونية  بفعل طبيعتها و خصوصيتها قد قلبت العديد من المفاهيم القانونية السائدة سواء على مستوى القانون الموضوعي من حيث التجريم و العقاب بفعل ازدواجية طبيعتها بين جريمة إلكترونية محضة تستهدف الأنظمة و البيانات الإلكترونية في حد ذاتها، أو كجريمة عادية مرتكبة بواسطة تقنية المعلومات كآلية من أجل التواصل و التخطيط لتنفيذ المشاريع الإجرامية ، أو على مستوى القانون الإجرائي بفعل تغلبها على القواعد المسطرية المقررة كأصل عام للبحث و ملاحقة مرتكبي الجرائم العادية و محاكمتهم ، فإن البحث عنها في بيئة رقمية تختلف عن البيئة التي اعتادت أجهزة إنفاذ القانون البحث و التحري فيها ،  فإن هذا  قد أسهم  في ظهور مجموعة من الإجراءات و التدابير المستحدثة للبحث عن الجريمة الإلكترونية تتناسب مع خصوصية و طبيعة هذا النوع من الجرائم ، وقد كان من بين هذه الإجراءات المستحدثة ، إجراء التحفظ  العاجل على البيانات و الذي يعتبر إجراء أولي تمهيدي الهدف منه محاولة الإحتفاظ بالبيانات قبل فقدانها و ضمان السرعة اللازمة للحفاظ على الأدلة المتعلقة بالجريمة الإلكترونية و تجميعها ، لاسيما أن آثارها يمكن أن تندثر بسرعة و في ظرف وجيز ، فهو يتلاءم و طبيعة البيئة المعلوماتية من حيث قابلية البيانات فيها للمحو و الفقد بسرعة.
و لما كان التحفظ العاجل و التجميع الفوري للمعطيات و البيانات يتطلب أحيانا اعتراض محتوى هذه البيانات الإلكترونية فقد استحدثت آليات تعطي الصلاحية للسلطات المختصة في التجميع الفوري لبيانات الكمبيوتر من خلال جمع أو تسجيل أو إجبار مقدم الخدمة في نطاق قدرته الفنية على جمع أو تسجيل سير البيانات المرتبطة باتصالات معينة و كذا صلاحية الإعتراض على  محتوى هذه البيانات.
فأمام هذه الشكليات المستحدثة التي تهم البحث عن الجريمة الإلكترونية كان لابد من وجود جهة معينة تتعاون مع الأجهزة المكلفة بالبحث و التحري و تزودهم بمختلف المعلومات التي قد تساعدهم في الوصول إلى الحقيقة لضمان البحث في مواجهة الأشخاص الذي يحوزون إحدى الوثائق أو البيانات المعلوماتية ظهرت إلى الوجود إجراءات و تدابير مستحدثة تفرض على مزودي الخدمات الإلكترونية التعاون مع الأجهزة المكلفة بالبحث عن الجرائم الإلكترونية  وتضع إلتزاما على عاتق هؤلاء الأشخاص بتزويد هذه الأجهزة بكل المعلومات المفيدة التي يتوفرون عليها  في سبيل إظهار الحقيقية .
على ضوء ما تقدم و لمعالجة الموضوع سيتم الإنطلاق من الإشكالية  التالية : إلى إي حد يمكن القول بأن القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية كافية لضبط الجريمة الإلكترونية و قادرة على استيعاب مختلف إجراءات البحث المنجزة بشأنها ؟
و من خلال هذه الإشكالية ، سننطلق من فرضية مفادها أن القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية الحالي لم تعد كافية و قادرة على ضبط الجريمة الإلكترونية و أن البحث عن الجريمة الإلكترونية يتطلب وضع قواعد إجرائية خاصة تتماشى و تنسجم مع خصوصية و طبيعة هذا النوع من الجرائم.
و للوقوف عند مدى صحة هذه الفرضية ، فإننا سنحاول من خلال هذا الموضوع الوقوف عند مدى كفاية و قدرة القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية و المتعلقة بالبحث و التحري على البحث للقول بإمكانية البحث عن الجريمة الإلكترونية ، ثم الوقوف بعد ذلك عند القواعد الإجرائية التي تضمنتها مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية في هذا الباب.
أولا : قراءة في القواعد الإجرائية الواردة في قانون المسطرة الجنائية الحالي
بالرجوع إلى أحكام قانون المسطرة الجنائية نجده قد ألزم من خلال المادة 57 ضباط الشرطة القضائية بالإنتقال في الحال إلى مكان إرتكاب الجريمة و إجراء المعاينات المفيدة و الحفاظ على الأدلة القابلة للإندثار و على ما يمكن أن يساعد على إظهار الحقيقة ،
فباستقراء مقتضيات المادة 57 من قانون المسطرة الجنائية يظهر أن هذا النص قد راعى عامل الزمن في جمع الأدلة المرتبطة بالجريمة ، فوفقا لهذه المادة فإن ضابط الشرطة القضائية يتعين عليه أن ينتقل فورا إلى مكان إرتكاب الجريمة وأن يجري المعاينات اللازمة ، و أن يحافظ على الأدلة القابلة للإندثار ، وذلك بغض النظر عن طبيعة هذه الجريمة ، علما بأن الجريمة الإلكترونية ينطبق عليها هذا الوصف لأنها يمكن أن ترتكب في وقت قصير ، ثم تختفي معالمها بعد ذلك بسرعة، إلا أن الملاحظ من خلال مقتضيات المادة 57  أنها لم تنص على ما يفيد التأكيد على سرعة حفظ البيانات ، أو ما يلزم مزود الخدمة بالكشف عن البيانات ، وعليه فإن كان مقتضى  المادة 57  يوحي بأنه قد ينطبق على الجريمة الإلكترونية ، إلا أنه يتحسن وضع مقتضيات خاصة بالجريمة الإلكترونية تفيد التأكيد على سرعة التحفظ على البيانات الإلكترونية و تلزم مزود الخدمة بالكشف عن هذه البيانات.
كما أنه و إن كان قانون المسطرة الجنائية يتضمن بعض المقتضيات التي تتعلق بجمع أو تسجيل الإتصالات ، حيث نص المشرع المغربي ضمن أحكام المادة  114 من قانون المسطرة الجنائية على السماح أثناء القيام بعمليات إلتقاط الإتصالات المأذون بها و تسجيلها و أخذ نسخ منها و حجزها ، بإمكانية الحصول على المعلومات و الوثائق الضرورية للتعرف على الإتصال الذي سيتم إلتقاطه من أي مستغل لشبكة عامة أو مصلحة للإتصالات ، فإن هذه المقتضيات تبقى قاصرة لإرتباطها بمسطرة إلتقاط المكالمات و الإتصالات المنجزة عن بعد ، و المتعلقة بجرائم لا تدخل ضمن زمرتها الجريمة الإلكترونية ، زيادة على ارتباطها بسلطات قضائية محددة في شخص قاضي التحقيق و الرئيس الأول لمحكمة الإستئناف و الوكيل العام للملك لديها.
كما يظهر عدم التطابق بين الشكليات الخاصة في مجال البحث عن الجريمة الإلكترونية و المتعلقة بصلاحية السلطات المختصة في التجميع الفوري لبيانات الكمبيوتر من خلال جمع أو تسجيل أو إجبار مقدم الخدمة في نطاق قدرته الفنية على جمع أو تسجيل سير البيانات المرتبطة بإتصالات معينة  و صلاحية الإعتراض على  محتوى هذه البيانات، و قواعد قانون المسطرة الجنائية  إذ يتضح من خلال الرجوع إلى أحكام قانون المسطرة الجنائية أنها لم تنظم آليتي التجميع و الإعتراض على البيانات ، بل الأبعد من ذلك ذهب المشرع المغربي إلى تجريم كل اعتراض للبيانات ضمن أحكام الفصلين 232 و 448 من مجموعة القانون الجنائي، مما يتعين معه وضع مقتضيات تعطي للجهة المشرفة على البحث إمكانية اعتراض محتوى البيانات و التجميع الفوري لهذه البيانات و تلزم مزودي الخدمات بتقديم المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب.
ومن المعلوم أيضا أن إجراءات التفتيش و حجز الدليل الإلكتروني في الجريمة الإلكترونية يحتاج إلى قواعد شكلية تنسجم مع خصوصية و طبيعة الجريمة الإلكترونية ، الشيء الذي حدا ببعض المهتمين إلى القول بأن مقتضيات
المادة 59  من قانون المسطرة الجنائية نصت على قواعد إجرائية يمكن أن تستوعب كمبدأ عام حتى الجريمة الإلكترونية  ، حيث أن المادة 59 من قانون المسطرة الجنائية نصت على مقتضيات عامة تنظم التفتيش كإجراء تخضع له كافة الجرائم بغض النظر عن طبيعتها بما فيها الجريمة الإلكترونية ، كما  منحت لسلطات البحث و التحري صلاحية حجز الأوراق و الوثائق أو أشياء أخرى في حوزة الأشخاص أو الأشياء المتعلقة بالأفعال الإجرامية.
فالملاحظ أن المادة59 بشكلها الحالي لا تفي بالمطلوب  لأنها مادة قاصرة فقط على الوثائق العادية ، و الحال أنه يتعين اعتماد صيغة تشمل جميع الوثائق بما في ذلك الرقمية و بالتالي إتاحة إمكانية الولوج إلى الوسائط الإلكترونية و التحفظ على البيانات و استغلال مضامينها في البحث لإعتمادها كأدلة عند الإقتضاء، لأنه و في غياب إطار قانوني خاص يسمح بالولوج إلى النظام المعلوماتي و يحدد الشروط التي يمكن معها الدخول إليها و إجراء التحريات اللازمة فيها بحثا عن المعطيات المفيدة للبحث ، فيمكن القول بأن قانون المسطرة الجنائية لا يتضمن استجابة صريحة لمتطلبات البحث و تفتيش قواعد المعطيات الآلية كما و أنه من الصعب  القيام بذلك اعتبارا لسكوت قانون المسطرة الجنائية عن تنظيم حجز المعطيات غير المادية و  في غياب نص صريح القبول بتسجيل أو تحميل المعطيات الرقمية دون اللوازم أو أجزاء الحاسب التي وجدت فيها.
ثانيا : قراءة في القواعد الإجرائية الواردة في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية
ما دمنا نناقش مدى قدرة القواعد الإجرائية المتعلقة بالبحث و التحري الواردة في قانون المسطرة الجنائية الحالي على البحث عن الجريمة الإلكترونية و ضبطها في وقت تعرف فيه الساحة القانونية نقاش مستفيض لمختلف المقتضيات التي جاءت بها مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية ، لذلك سيكون لزاما علينا الوقوف عند ماتضمنته مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية من مستجدات في هذا الباب.
فلقد حاول واضع مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية أن يحقق من خلال المقتضيات التي جاء بها و المتعلقة بإجراءات البحث و التحري نوعا من الإنسجام مع مختلف الشكليات الخاصة في مجال البحث عن الجريمة الإلكترونية ، لذلك عرفت مسودة هذا المشروع بعض القواعد الإجرائية الجديدة و التي بإمكانها أن تساعد أجهزة إنفاذ القانون في البحث عن الجريمة الإلكترونية و ضبطها، حيث خولت المادة 60 من مسودة مشروع القانون لضابط الشرطة القضائية في أن يستدعي أي شخص لسماعه، إذا تبين له أن بوسع هذا الشخص أن يمده بمعلومات حول الأفعال أو الأشياء أو الوثائق أو المستندات أو المعطيات المعلوماتية  أو الأشياء المحجوزة، وأن يرغمه على الحضور في حالة امتناعه بعد إذن النيابة العامة.
فالملاحظ من خلال هذه المادة أن واضع مسودة المشروع قد جاء بمقتضى جديد يمكن من خلاله استدعاء أي شخص في وسعه التعاون مع السلطات المشرفة على البحث من كل المعلومات التي يتوفر عليها و اللازمة لسير أعمال البحث و التحري عن الجريمة الالكترونية المرتكبة ، فهذا المقتضى يمكن أن ينطبق أيضا على مزودي الخدمات باعتبارهم أيضا يحوزون مستندات و معطيات معلوماتية من شأنها المساعدة في البحث.
كما خولت المادة108 من مسودة المشروع للوكيل العام للملك إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث، أن يلتمس كتابة من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف إصدار أمر بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الإتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها أو حجزها وذلك إذا كانت الجريمة موضوع البحث تمس بالجرائم الماسة بنظام المعالجة الآلية للمعطيات، و يظهر من خلال مقتضيات المادة 108 من مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية ، أن المشرع تدارك النقص الموجود في المادة 108 الحالية و ذلك بالسماح  للوكيل العام للملك بإمكانية إصدار أمر بالتقاط المكالمات الهاتفية أو الاتصالات المنجزة بوسائل الاتصال عن بعد وتسجيلها وأخذ نسخ منها أو حجزها سواء بعد اخذ إذن من رئيس المحكمة أو دون إذن لذلك عند الاستعجال وذلك إذا كانت الجريمة موضوع البحث تمس بالجرائم الماسة بنظام المعالجة الآلية للمعطيات.
هذا و قد حاول واضع مشروع مسودة قانون المسطرة الجنائية أيضا إدخال تعديلات بشكل يجعل إجراءات التفتيش و الحجز تتسع لتشمل حتى البيانات والوثائق و الأدوات و المعطيات المعلوماتية ، حيث جاء في المادة 59 من هذا المشروع على أنه "إذا كان نوع الجناية أو الجنحة مما يمكن إثباته بحجز أوراق ووثائق أو أشياء أخرى في حوزة أشخاص يظن أنهم شاركوا في الجريمة، أو يحوزون مستندات أو وثائق أو معطيات أو أدوات معلوماتية أو أشياء تتعلق بالأفعال الإجرامية.... "
كما أعطت نفس المادة الصلاحية بالتفتيش في جميع الأماكن التي يمكن أن يعثر بها على مستندات أو وثائق أو معطيات معلوماتية أو أشياء مفيدة في إظهار الحقيقة.
كما نصت المادة 60 إذا كان التفتيش سيجرى في منزل شخص من الغير يحتمل أن يكون في حيازته وثائق أو مستندات أو معطيات معلوماتية أو أشياء لها علاقة بالأفعال الإجرامية، فإنه يجب حضور هذا الشخص لعملية التفتيش، وإذا تعذر ذلك وجب أن يجري التفتيش طبقا لما جاء في الفقرة السابقة، الملاحظ من خلال هذا المقتضى أن واضع مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية قد تبنى نفس الصيغة المنصوص عليها المادة56  من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي و التي جاء فيها : « Si la nature du crime est telle que la preuve en puisse être acquise par la saisie des papiers, documents, données informatiques ou autres objets en la possession des personnes qui paraissent avoir participé au crime ou détenir des pièces, informations ou objets relatifs aux faits incriminés, l'officier de police judiciaire se transporte sans désemparer au domicile de ces derniers pour y procéder à une perquisition dont il dresse procès-verbal. »
أما فيما يخص حجز المعطيات و البيانات الإلكترونية و التي قد تشكل دليلا لإثبات الجريمة حيث نصت المادة 59 من المشروع على أنه : "  يتم حجز المعطيات والبرامج المعلوماتية الضرورية لإظهار الحقيقة بوضع الدعامات المادية المتضمنة لهذه المعلومات رهن إشارة العدالة أو بأخذ نسخ منها بحضور الأشخاص الذين حضروا التفتيش توضع رهن إشارة العدالة. لا يحجز ضابط الشرطة القضائية إلا المستندات أو الوثائق أو المعطيات أو الأدوات المعلوماتية أو الأشياء المفيدة في إظهار الحقيقة."
نفس الشيء أيضا يمكن قوله من خلال هذا المقتضى ، أن واضع مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية قد تبنى نفس الصيغة المنصوص عليها في الفقرة الخامسة المادة56  من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي و التي جاء فيها ‘’ Il est procédé à la saisie des données informatiques nécessaires à la manifestation de la vérité en plaçant sous main de justice soit le support physique de ces données, soit une copie réalisée en présence des personnes qui assistent à la perquisition. ‘’
وهكذا نلاحظ أن هذه التعديلات التي جاءت بها مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية و رغم ما قيل عنها، قد وضعت حدا للجدل الذي كان دائرا حول مدى إمكانية تفتيش جهاز الحاسوب و حجز الأدلة غير المادية، و المتمثلة في بيانات و معطيات معنوية استنادا إلى قواعد المسطرة الجنائية التقليدية، من خلال الإنتصار لصالح الإتجاه الذي كان ينادي بضرورة التنصيص صراحة على قابلية بيانات و معطيات الحاسوب للتفتيش و الحجز ، وذلك لعجز النصوص التقليدية و قصورها عن استيعابها.
غير أن ما يعاب على هذه التعديلات، أن واضع هذه المسودة لم يحدد ما إذا كان بإمكان أجهزة إنفاذ القانون تفتيش الحواسيب و حجز البيانات و المعطيات الموجودة في مكان أخر غير مكان البحث الأصلي و المفيدة لإظهار الحقيقة، حيث غالبا ما يخزن المجرمون صورا غير مشروعة من الأفعال ليس في حواسيبهم الخاصة فحسب ، بل أيضا في مواقع التخزين الواقعة في مكان آخر، على غرار ما فعلت بعض التشريعات المقارنة كالمشرع البلجيكي من خلال المادة 88 من قانون التحقيق البلجيكي و التي تنص على أنه " إذا أمر قاضي التحقيق بالتفتيش في نظام معلوماتي أو جزء منه ، فان هذا البحث يمكن أن يمتد إلى نظام معلوماتي أخر يوجد في مكان أخر غير مكان البحث الأصلي ، و يتم هذا الامتداد وفقا لضابطين :
-إذا كان ضروريا لكشف الحقيقة بشأن الجريمة محل البحث ؛
- إذا وجدت مخاطر تتعلق بضياع الأدلة ، نظرا لسهولة عملية محو أو إتلاف أو نقل البيانات محل البحث.
و فيما يلي نص المادة 88 من قانون التحقيقات الجنائية البلجيكي باللغة الفرنسية :  1er. Lorsque le juge d'instruction ordonne une recherche dans un système informatique ou une partie de celui-ci, cette recherche peut être étendue vers un système informatique ou une partie de celui-ci qui se trouve dans un autre lieu que celui où la recherche est effectuée :
  - si cette extension est nécessaire pour la manifestation de la vérité à l'égard de l'infraction qui fait l'objet de la recherche, et
  - si d'autres mesures seraient disproportionnées, ou s'il existe un risque que, sans cette extension, des éléments de preuve soient perdus.
و كذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة1-57  من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي و التي سمحت صراحة بمباشرة بعض إجراءات البحث عن الجريمة الإلكترونية خارج الحدود الإقليمية كإمكانية تفتيش الأنظمة المعلوماتية المتصلة حتى ولو كانت متواجدة خارج إقليم الدولية ، حيث سمحت المادة المذكورة لضباط الشرطة القضائية بأن يقوموا بتفتيش الأنظمة المتصلة حتى ولو تواجدت خارج الإقليم مع مراعاة الشروط المنصوص عليها في المعاهدات الدولية.
و فيما يلي نص الفقرة الثانية من المادة 1-57 من قانون المسطرة الجنائية الفرنسي باللغة الفرنسية  :
S'il est préalablement avéré que ces données, accessibles à partir du système initial ou disponibles pour le système initial, sont stockées dans un autre système informatique situé en dehors du territoire national, elles sont recueillies par l'officier de police judiciaire, sous réserve des conditions d'accès prévues par les engagements

التحقق من هوية الأشخاص بين التدابير الوقائية و المتطلبات الحقوقية

مقدمة
ترتبط ممارسة الحريات الفردية ارتباطا وثيقا بالمجال الذي خوله المشرع المغربي للأفراد في سبيل تكريس دولة الحق. لذا فلا سبيل للحديث عن ممارسة هذه الحريات إذا كان الفرد لا يستطيع التمتع بها في إطار القانون طبعا، و يأتي في مقدمة هذه الحقوق " حق الشخص في التجول وبكل حرية داخل المجال الترابي الذي ينتمي إليه دون قيد أو شرط مسبق، لذا فحق التجول مكفول لكل فرد و لا يحده إلا القانون، و في الحالات الاستثنائية المنظمة على سبيل الحصر. و قد كرست المواثيق الدولية الاعتراف بهذه الحقوق و الحريات الفردية، حيث أقرت المادة 9 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأنه لايمكن القبض على أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا، كما نصت المادة (9/1)  من العهد الدولي للحقوق السياسية و المدنية على ما يلي: " لكل فرد حق في الحرية و في الأمان على شخصه، و لا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا، و لا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون و طبقا للإجراء المقرر فيه". و في نفس التوجه نص الفصل 23 من الدستور المغربي لسنة 2011 على حق الفرد في حرية الذهاب و الإياب
 في ذات السياق، تطرح إجراءات التحقق من الهوية التي تقوم بها القوات العمومية بكل تشكيلاتها، أسئلة متعددة تهم تحديدا المقصود من التحقق من الهوية في حد ذاته، و موجباته والصلاحيات المخولة لهذه الجهات في سبيل القيام بالأعمال الموكولة إليها، و التي تتأسس في العديد من الأحيان على القيام بمراقبة مستمرة للمجال الترابي، وإيقاف  الأشخاص للتحقق من هوياتهم، لذا يستلزم الأمر أن نوضح الجوانب القانونية و الإجرائية التي ترتبط بهذا الموضوع في سبيل إيجاد التوازن المطلوب بين الإجراءات و التدابير الأمنية الاحترازية التي تتخذها الجهات المخولة قانونا مراقبة هويات الأشخاص و التأكد منها، و ضمان الحق في ممارسة الأفراد لحرياتهم الفردية
الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية لإجراء مراقبة الهوية
لم يحدد المشرع المغربي المقصود بمراقبة الهوية، و يسهم هذا الفراغ التشريعي في توسيع نطاق هذا الإجراء الذي يعد استثنائيا، لكونه ينصرف إلى الحد من حرية الأشخاص الموقوفين من طرف رجال الشرطة و الدرك الملكي و بقية الهيئات المخولة بحكم القانون، حيث يستلزم الأمر تحديد الطبيعة القانونية لتدبير مراقبة الهوية، هل هو ذو طبيعة قضائية أم يتعلق الأمر بتدبير أمني وقائي

أولا: مراقبة الهوية إجراء وقائي و إداري.

  يلجأ ضابط الشرطة القضائية و أعوانها إلى مراقبة هوية الأشخاص أثناء الجولات الميدانية التي ينشطونها من أجل ضمان التغطية الأمنية الفعالة واستباق كل السلوكات الانحرافية التي تهدد كيان المجتمع، و تمس بشكل مباشر أرواح و ممتلكات المواطنين، لذلك فالممارسة العملية تقتضي أن يقوم ضباط الشرطة و أعوانها بمطالبة كل شخص يتجول بالطريق العمومية أو الساحات و المعارض والمقاهي المفتوحة للعموم و الملاهي الليلية و غيرها، بإثبات هويته أو أية وثيقة رسمية كبطاقة التعريف الوطنية، أو جواز السفر أو رخصة السياقة أو حتى بشهادة الشهود، إلا أنه و حرصا على حماية حرية الأفراد من أي تعسف أو تجاوز، يتعين على الهيئات المعنية التزام الضوابط القانونية و المهنية عند القيام بإيقاف الأشخاص و مراقبة هوياتهم[1]
و إذا كانت مبررات اللجوء إلى تدبير مراقبة الهوية تختلف حسب اختلاف الظروف المحيطة بالعمل الاستباقي الموجه إلى الوقاية من الأفعال الإجرامية المحتملة أو الإخلال المرتقب بالأمن العام، فإنه يتعين دائما ملاءمة هذه المبررات مع الأهداف المسطرة في سبيل محاربة الجريمة واجتثاث محفزاتها المتشعبة في المجال الجغرافي المستهدف. لذلك يمكن لضباط الشرطة القضائية و أعوانها مراقبة الهوية الإدارية في الأماكن المعدة ساخنة، حيث تشهد ارتكاب العديد من الجرائم سواء ضد الأشخاص أو الممتلكات، خصوصا تلك المشهودة منها، أي كل أفعال السرقة تحت التهديد بالأسلحة البيضاء أو الاعتراض و العنف الذي يرتكب على مرأى من المواطنين، حيث يولد إحساسا كبيرا بانعدام الأمن، كما يخول لضباط الشرطة و أعوانها مباغثة الأوكار و المخابئ التي يتخذها ذوي السوابق القضائية، أو محيط المؤسسات ذات الأهمية البالغة من الناحية الاقتصادية و الأمنية، كمحطات الحافلات و القطارات و الأسواق الممتازة و الأسبوعية، و المواسم و الاستعراضات الشعبية الغفيرة و الملاهي
و تبعا لذلك، يمكن تفعيل تدبير مراقبة الهوية الاحترازية، كلما كان النظام العام مهددا نتيجة وقوع أحداث معينة أدت إلى اضطرابات قد تخل بالأمن العام خصوصا أثناء المنافسات الرياضية والمهرجانات الفنية و الزيارات الرسمية و المؤتمرات الدولية. و تبقى سارية المفعول طيلة مدة عمر هذه المناسبات
و في سبيل ذلك تتخذ السلطات العمومية كل التدابير الأمنية الفعالة من أجل ضمان التغطية الشاملة، و تطويق كل محاولة للإخلال بالأمن العام و ذلك بإرجاع الهدوء و الطمأنينة، في تناسق وتناغم مع ما يفرضه القانون من احترام للحريات الفردية
و في نفس السياق، تنص المادة 181 من القانون 52.05 المعد بمثابة مدون السير على الطرق على ما يلي: " دون الإخلال بالعقوبات التي يتعرض لها لأي سبب آخر، يعاقب بغرامة من ألف ومائتين (1.200) إلى ألفي (2.000) درهم، كل سائق وجه إليه الأمر بالتوقف من لدن العون محرر المحضر أو من أحد الموظفين أو الأعوان المكلفين بمعاينة المخالفات لأحكام هذا القانون والنصوص الصادرة لتطبيقه، الحاملين لشارات خارجية وظاهرة تدل على صفتهم، وامتنع من تنفيذه أو امتنع من الخضوع لأعمال التحقق المقررة..."[2]
لذلك تقوم شرطة المرور كذلك بمهمة أساسية في إطار مراقبة هوية الأشخاص عند إيقاف المركبات لمراقبة وثائق المتن و تلك الخاصة بالسائق، فيلزم هذا الأخير تلبية طلب عون المراقبة الذي أوقفه و ذلك بالإدلاء بكل وثائق العربة و تلك الخاصة به، و أن يمتثل لهذا الأمر القانوني، ولا يمكن أن يرفض ذلك، كما أن عون المراقبة مطالب بتأدية مهمته بالتأكد من سلامة الوثائق ومستلزمات العربة و السماح بمرور هذا الأخير دون تماطل و تباطئ، و إلا عد تعسفا في ممارسة السلطة، بعدما استنفذ كافة أشكال التحقق و التأكد من خلو المعني بالأمر من أية متابعة قضائية أو مذكرة بحث

ثانيا: التحقق من الهوية إجراء ذو طبيعة قضائية.

  بخلاف مراقبة الهوية الذي يعد تدبيرا وقائيا يدخل غالبا في مهام الشرطة الإدارية التي تطلع بها المصالح المخولة قانونا، في سياق جهودها للوقاية من الجريمة. يعتبر التحقق من الهوية إجراء ذو طبيعة قضائية لارتباطه من جهة بالصلاحيات الممنوحة لهيئة الحكم بمقتضى المادة 592 من قانون المسطرة الجنائية التي تلتزم بالبث في تحديد الهوية الحقيقية للمتهم الماثل أمامها[3]. حتى ينال مرتكب الفعل جزاءه عما ارتكبه، و تفاديا لأي خطأ قد يتسبب في حرمان أحد الأشخاص من حريته، يبقى للمحكمة التي تبث في الملف و المصدرة للعقوبة وحدها التحقق من هوية المحكوم عليه، إذا صرح الشخص الذي يجرى التنفيذ في حقه أن هناك خطأ وقع في هويته، حيث تبث المحكمة في هذه الدعوى بحضور الشخص الذي ادعى أنه موضوع الخطأ[4]، ويمكن للمحكمة أن تأمر بمباشرة أي نوع من التحريات لمعرفة الهوية الحقيقية لهذا المتهم، و لو تطلب الأمر الاستعانة بخبير، أو باستطلاع رأي المصالح المخولة التحقق من الهوية
و في نفس الإطار، خولت المادة 65 من ق.م.ج لضابط الشرطة القضائية منع أي شخص من الابتعاد عن مسرح الجريمة إلى أن ينتهي ضابط الشرطة من المعاينات و المشاهدات التي تهم ظروف و ملابسات ارتكاب الفعل، و ألزمت الشخص موضوع التدبير بالامتثال لأمر ضابط الشرطة القضائية إلى حين انتهائه من المعاينة تحت طائلة العقوبات المقررة في الفقرة الثالثة من المادة 592، حيث يتضح من مضمون هذه المادة أن الأمر يتعلق بالصلاحيات المخولة لضابط الشرطة القضائية في إطار البحث في حالة التلبس بجريمة، عندما تستدعي ضرورة البحث أن يعمد ضابط الشرطة القضائية إلى الاحتفاظ بكل شخص يظهر أن إفادته حول ظروف و ملابسات الفعل الإجرامي لها تأثير في سير الأبحاث التي تباشرها الشرطة القضائية[5]، غير أن قانون المسطرة لم يوضح الفترة الزمنية التي يمكن لضابط الشرطة القضائية أن يمنع الشخص من مغادرة مكان ارتكاب الفعل، وربط ذلك بإتمام التحريات التي يجريها في عين المكان بحيث لا يجب أن تستغرق وقتا طويلا
و تبعا لما سلف، قد تطلع الشرطة القضائية بمراقبة الهوية طبقا لمذكرات البحث التي تصدرها النيابة العامة أو قاضي التحقيق، للبحث عن مرتكبي الأفعال الإجرامية و إيقافهم و تقديمهم أمام النيابة العامة
الفقرة الثانية: الضمانات المخولة للأشخاص الموقوفين للتحقق من هوياتهم
أقر الدستور المغربي لسنة 2011 إسوة بالمواثيق الدولية الناظمة لمجال حقوق الإنسان حق الأفراد في التمتع بحرية التنقل عبر التراب الوطني و الاستقرار فيه و الخروج منه و العودة إليه في إطار ما يفرضه القانون[6]، بحيث لا يمكن إلقاء القبض على أي شخص أو اعتقاله إلا في الحالات ووفق الإجراءات التي ينص عليها القانون[7]. بذلك أعطى دفعة قوية لممارسة الحقوق و الحريات الفردية من خلال إلزام القوات العمومية باحترام المشروعية في التدخلات الأمنية التي تباشرها في الشارع العام، سواء في مجال المحافظة على النظام العام أثناء المظاهرات و الاحتجاجات أو في سياق الوقاية من الجريمة و زجرها، غير أن تخلف نصوص قانون المسطرة الجنائية الحالية عن ضبط التوازن بين التعارض الحاصل بين ممارسة الحريات الفردية و واجب استتباب الأمن والوقاية من الجريمة، دفع وزارة العدل و الحريات إلى التقدم بمشروع تعديل و مراجعة قانون المسطرة الجنائية الذي خصصت مسودته الباب الرابع لتنظيم عملية التحقق من الهوية في سبيل سد الفراغ القانوني المسجل، لذا لزم الأمر الوقوف عند هذه المستجدات التشريعية لإبراز أهم الضمانات المقررة للأشخاص الموقوفين من أجل التحقق من هويتهم

أولا: حالات اللجوء إلى التحقق من الهوية.

  حدد المشرع المغربي في المادة 8.3.82 الحالات التي يمكن لضباط الشرطة القضائية أن يطلب من أي شخص التعريف بهويته، حيث جاءت مطابقة لما أورده المشرع الفرنسي في المادة 78/2 من قانون المسطرة الجنائية و هي

في حالة ارتكاب أو محاولة جريمة.

في حالة الاستعداد و التحضير لارتكاب جناية أو جنحة.

إذا كان الشخص الموقوف يتوفر على معلومات مفيدة للبحث في جناية أو جنحة.

إذا كان موضوع أبحاث أمرت بها السلطة القضائية.

كما أنه يمكن لضباط الشرطة القضائية و أعوانهم التحقق من هوية الأشخاص الذين يشكلون تهديدا للأشخاص أو الممتلكات أو الأمن العام أو لمنع وقوع جريمة[8]
و يظهر جليا من هذه المقتضيات رغبة المشرع المغربي في تقييد صلاحيات ضباط الشرطة و أعوانها في القيام بمراقبة هوية الأشخاص والتحقق منها و حصرها في السياقات التي ترتبط إما بمنع وقوع جريمة في المستقبل، أو إفشال مشروع مخطط إجرامي يهدد الأشخاص والممتلكات أو الأمن العام، حتى يكون الباعث عليها ملحا و مشروعا، و الابتعاد عن كل المضايقات التي قد تستهدف الأشخاص العاديين، وذلك للقطع مع كل الممارسات الفردية التي تستهدف النيل من حرية الأفراد و تعرضهم للتعسف

ثانيا: إجراءات التحقق من الهوية.
  أعطى المشرع المغربي بمقتضى المادة 82.3.10 من مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية "لضابط الشرطة الحق في اقتياد كل شخص يرفض الإدلاء بهويته أو يتعذر التعرف على هويته إلى مقر الشرطة القضائية من أجل التحقق من هويته بشكل مضبوط"، و عليه فإن الجولات الميدانية التي يضطلع بها ضابط الشرطة القضائية و أعوانه قد تسفر عن إيقاف بعض الأشخاص يعجز أحدهم عن التعريف بنفسه بشكل ينفي الجهالة عنه، حيث يدلي ببطاقة التعريف الوطنية أو وثيقة رسمية أخرى لتمكين ضابط الشرطة من مباشرة التدابير الرامية إلى التأكد من خلوه من أية متابعة قضائية أو مذكرات البحث الوطنية أو الدولية، من خلال مراجعة قاعدة البيانات في الحاسب الآلي و المحفوظات، حيث يمكنه الاستعانة بكافة العناصر لتحديد هوية هذا الشخص كالاتصال بعائلته للإدلاء بالدفتر الجماعي للحالة المدنية، أو مشغله أو أحد معارفه كالجيران و الأصدقاء. ولضمان سلامة هذا الإجراء يكون ضابط الشرطة القضائية ملزما باحترام الشكليات التالية

1.                   إشعار عائلة الشخص موضوع إجراء التحقق من الهوية أو محاميه أو أي شخص يختاره.

2.                   إشعار ولي الأمر إذا تعلق الأمر بحدث، و يستمع إليه في محضر بحضوره.

3.                  إشعار السيد وكيل الملك بهذا التدبير.

4.                   احترام الوقت المحدد لهذه العملية المتمثل في 6 ساعات تحتسب من لحظة إيقافه[9].

وفي ذات السياق، يحق لضابط الشرطة القضائية، و تبعا لإذن وكيل الملك أن يأخذ بصمات أصابع أي شخص رفض التعريف بهويته، أو أدلى
بمعلومات غير صحيحة عن هويته الحقيقية، و أنه لم يسعفه التعرف عليها بغيرها من الوسائل، و له أن يلجأ إلى أخذ البصمات الجينية أو أخذ صورة للتحقق من هويته[10]، على أن تكون هذه العمليات موضوع محضر رسمي يحرره ضابط الشرطة القضائية يبين فيه الأسباب التي دفعته إلى القيام بهذه الإجراءات، و ساعة اقتياده إلى مركز الشرطة و ساعة إطلاق سراحه أو وضعه تحت الحراسة النظرية، و يعقبها إمضاء الشخص الموقوف أو بصمته أو رفضه أو استحالة الإمضاء، مع بيان أسباب ذلك، و يتم إحالة المحضر على السيد وكيل الملك فور الانتهاء من عملية التحقق من الهوية
و تجدر الإشارة إلى أن المشرع المغربي بإدراجه المقتضيات المتعلقة بالتحقق من الهوية في قانون المسطرة الجنائية بشكل واضح يكون قد استجاب لنداء العديد من الهيئات الحقوقية، ولتنفيذ توصيات المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مجال الحكامة الأمنية و حقوق الإنسان، التي طالما طالبت بإيجاد القواعد الناظمة لتدخل الشرطة القضائية لزجر الأفعال الإجرامية و جعل المشروعية هي الأساس في هذه التدابير الأمنية الرامية إلى استتباب الأمن و الحفاظ على استقرار المجتمع، ويبقى تأهيل العنصر البشري، و مده بكافة الوسائل التي تساعده على القيام بهاته المهام الجسيمة في أحسن وجه، و في حيز زمني مقبول هو الكفيل بتجاوز هذه الوضعية، و نفي التعارض المفتعل بين المتطلبات الحقوقية و واجب الحفاظ على الأمن و النظام الذي يقع على عاتق السلطات العمومية.



[1]- خالد الزكاري " إشكالية مراقبة الهوية"، مجلة الشرطة عدد 57 أكتوبر 2009، ص 47.

[2]- أوجبت المادة 193 من مدونة السير على مستعمل الطريق العمومية الامتثال لأوامر الضباط و الأعوان المشار إليهم في المادة 190 منها، و الذين يستوفون الشروط المحددة في المادة 192 من قبيل تشوير نقطة المراقبة، و حمل الشارة المهنية المميزة  التي تتضمن الاسم العائلي و الشخصي و صفته و صورة و رقمه المهني، و هم كالتالي:
1- الضباط و الأعوان التابعين للدرك الملكي.
2- الضباط و الأعوان التابعين للأمن الوطني.
3- الأعوان التابعين للسلطة الحكومية المكلفة بالنقل.

[3] - نصت المادة 592 من ق.م.ج على ما يلي: "إذا ادعى متهم أمام هيئة الحكم أنه ليس الشخص المقصود بالاتهام، تعين على هذه الهيئة أن تبث في النزاع بشأن الهوية".

[4] - المادة 593 من ق.م.ج.

[5] - يرى الدكتور أحمد الخمليشي أن الأشخاص الذين يحق لضابط الشرطة القضائية منعهم من الابتعاد عن مكان وقوع الجريمة هو كل الذين يظهر له أنه تحرياته معهم تفيده في الكشف عن أدلة الجريمة و معالمها، فلا يقتصر الأمر على المشبوه فيه بارتكاب الجريمة أو بالمساهمة فيها، و إنما يشمل غير هؤلاء ممن يرى أنهم قد يتوفرون على العناصر المسهلة للبحث الذي يقوم به.

[6] - الفصل 24 من الدستور المغربي.

[7] - الفصل 23 من الدستور المغربي.

[8] - المادة 82.3.9 من قانون المسطرة الجنائية.

[9] - في نفس السياق، ينص الفصل 62 من الظهير الشريف رقم 1.57.280 بتاريخ 14 يناير 1958 بشأن مصلحة الدرك الملكي المغربي ج.ر/2366 في 28/02/1958 على ما يلي: " للدرك الملكي الحق على الدوام و الاستمرار في مراقبة هوية الأشخاص الممكن لقاؤهم و تحقيقها، كما له الحق في إمساكهم المدة اللازمة لإجراء هذه التحقيقات على أن لا يتجاوز أربعة و عشرون ساعة".
[10] - لم تتضمن النصوص المنظمة لإجراء التحقق من الهوية الواردة في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية إمكانية قيام ضابط الشرطة القضائية بتفتيش الشخص الموقوف للتحقق من هويته، غير أن الدكتور أحمد الخمليشي يرى أن ضابط الشرطة القضائية يحق له القيام بذلك في إطار مهام الشرطة الإدارية التي يمارسها و ليس في إطار مهام الشرطة القضائية، غير أن هذا الأمر لا يستقيم ما دام مشروع المسودة طبع هذه الإجراءات بطابع قضائي، حيث جعلها تحت إشراف النيابة العامة، و ألزم ضابط الشرطة القضائية بإخبار وكيل الملك بكل الإجراءات و تحرير محضر بشأنها، و ألزمه كذلك باحترام مجموعة من الشكليات تصب غالبتها في تأكيد الضمانات الممنوحة للأشخاص الموقوفين في مواجهة التعسف المحتمل.
أحمد الخمليشي: شرح قانون المسطرة الجنائية، ج1 المعارف الحديثة، ط1999، ص277.

فهمي بوشعيب طالب باحث في سلك الدكتوراه بكلية الحقوق بأكادير