التدابير المستحدثة لمكافحة الجريمة


المقدمة
منذ سبعينيات القرن الماضي عرف العالم تزايدا مضطردا لظاهرة الإجرام المنظم بكل صوره ومظاهره, فلم تعتد للحدود أي اعتبار في انتشار هذه الظاهرة مما أصبحت السياسة الجنائية للدول تولي أهمية قصوى للتصدي للجريمة المنظمة سواء على الصعيد المحلي أو الدولي[1].
من هنا كان لزاما توجيه السياسة الجنائية بمعناها الواسع(الوقاية و الزجر) نحو قواعد خاصة بهذا النوع من الإجرام سواء على مستوى النواة الصلبة للسياسة الجنائية(القانون الجنائي الموضوعي والإجرائي)أو باقي وسائل الضبط الاجتماعي الأخرى(الرسمية وغير الرسمية) .كل هذا أدى إلى رسم الخطوط العريضة التي يجب إتباعها للوصول إلى أجوبة فعالة لما تثيره الجريمة المنظمة من آثار مدمرة في جميع نواحي الحياة الإنسانية.
فمواجهة الجريمة المنظمة ليس بالجديد فرد الفعل وجد مع ظهور الجريمة بصفة عامة وتطور بطبيعة الأشياء مع تطور الإجرام وصوره التي رغم الاستثناء تبقى الجريمة المنظمة أهمها .وفي ذلك نجد ما يذهب إليه الفقيه الجنائي الفرنسي جان برادل JEANPradel إلى أن الجديد في الجريمة المنظمة هو المصطلح.فجماعات الإجرام وجدت مند القدم كما أن وسائل مكافحتها بدأت تظهر مند العصور الوسطى حيث وجدت ما كان يسمى بعصابات أو جماعات الأشرار les association des malfaiteurs التي كانت مجرمة بمقتضى قانون 1810 الفرنسي ونظرا لكون الجماعات الإجرامية لم تأخذ شكلها المنظم والمتطور إلا مع بروز منظمات المافيا في ايطاليا فقد كان التشريع الايطالي من أول واهم التشريعات التي ساهمت في إحداث تدابير لمواجهة هذه الظاهرة في كل من المادة 245 في القانون المعروف بzanardelle لسنة 1889 وتلاه قانون Rocco لسنة 1930[2]. إلا أن البعد الخطير للجماعات الإجرام المنظم بدا مع أخذها للبعد الدولي مستغلة في ذلك تطور وسائل الاتصال والمواصلات مما اذكي الوعي لدى الدول لتكتيل جهودها عبر عقد العديد من المؤتمرات التي تسعى لمواجهة الجريمة المنظمة فتوجهت هذه الجهود بإصدار اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية في مدينة باليرمو (2000)عقر دار المافيا الايطالية موجها بذلك المنتظم الدولي لرسالة التحدي .هذه الاتفاقية التي حوت على العديد من التدابير التي حاولت أن تجعل من الدول أداة لترجمت تلك التدابير في تشريعاتها أيضا فرغم أن الاتفاقية قامت برسم المعالم والخطوط الكبرى لمكافحة الإجرام المنظم إلا انه لا يجب أن ننسى ما كانت تنص عليه العديد من التشريعات في هذا المضمار.
وعلى ضوء ما تقدم فلا مراء من أن لموضوع كهذا أهمية على المستوى النظري فالاتفاقية حثت على بدل الجهود من خلال تعميق الدراسة في سواء في البحوث الأكاديمية أو العلمية.أيضا على المستوى العملي من خلال وضع التدابير سواء التي تضمنتها الاتفاقية أو الدول موضع الاختبار والتطبيق على ارض الواقع لأجل الوقوف على مدى فاعليتها.
ومنه فانا نجد أنفسنا أمام تساءل مفاده عن كيف كان رد الفعل إزاء الأخطار الناتجة عن الجريمة المنظمة؟
سؤالنا هذا ارتأينا انتظامه عبر التقسيم التالي
المبحث الأول: التدابير الزجرية المستحدثة لمواجهة الجريمة المنظمة.
المبحث الثاني: التدابير المالية والإدارية لمواجهة الإجرام المنظم.
المبحث الأول: التدابير الزجرية ذات الطبيعة الموضوعية .

لما كانت الجريمة المنظمة تندرج في ما يعرف بالإجرام الكلي macro criminalité [3]هدا النوع من الإجرام الذي ينفرد بخصائص بنيوية تميزه عن الجريمة في صورتها التقليدية ,فانه كان لزاما أن تنفرد أساليب مواجهتها أيضا بنوع من الخصوصية .وهدا ما تم بالفعل من خلال ما تجسد في التدابير الزجرية سواء ذات الطبيعة الموضوعية (المطلب الأول)أو الإجرائية (المطلب الثاني).

المطلب الأول : التدابير الزجرية على مستوى قواعد الموضوع .
يترتب على ظاهرة الجريمة المنظمة تحديات عدة، منها ما يتعلق بأمور التجريم والعقاب حيث تستعصى بعض الأنشطة الإجرامية المنظمة الجديدة على إدراجها ضمن الأوصاف الجنائية التقليدية في القوانين الجنائية الوطنية.بذلك تم إحداث تدابير زجرية همت أساسا كل من القواعد سواء الموضوعية التي أوجدت في اتفاقية باليرمو (الفقرة الأولى) أو التي استحدثت في التشريعات المواءمة والتشريع المغربي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التدابير الخاصة بالجانب الموضوعي(اتفاقية باليرمو).
ساهمت اتفاقية باليرمو في حث الدول المنظمة لها لتضمين تشريعاتها لقواعد خاصة بكل من مؤسستي التجريم والعقاب والمسؤولية الجنائية في سعيها لمكافحة الإجرام المنظم وذلك على الشكل التالي:

Ø من حيت قواعد التجريم والعقاب:
-تجريم الساسة تجريم غسيل الأموال(المادة 6)
-وتجريم الفساد (المادة 8)
-وعرقلة العدالة (المادة23).

Ø من حيث قواعد المسؤولية الجنائية:
-إقرار مسؤولية الهيئات الاعتبارية (المادة 10)
- مسؤولية المشاركين والمساهمين في جماعة إجرامية منظمة (المادة 5)

وبهذا نجد على أن الاتفاقية قد حددت أنواع السلوك الذي يجب على الدول القيام بإصباغ الصفة الإجرامية عليه وأيضا الأشخاص الواجب مساءلتهم جنائيا وبذلك فإننا نتساءل عن ماذا يجب على القاضي الجنائي إتباعه في حالة عدم موائمة التشريع للاتفاقية سواء على مستوى التجريم أو المسؤولية [4] في هدا الإطار فانه إذا كان من ﺍﻟﻤﺴﻠﻡ ﺒﻪ ﺃﻥ ﺇﺘﻤﺎﻡ ﺇﺒﺭﺍﻡ ﺍلاﺘﻔﺎﻗﻴﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ، ﻴﺘﺭﺘﺏ ﻋﻠﻴﻪ ﺇﻟـﺯﺍﻡ ﻜﺎﻓـﺔ ﺍﻟﺩﻭل ﺍﻷﻁﺭﺍﻑ ﺒﺘﻨﻔﻴﺫﻫﺎ، ﻭﻫﺫﺍ ﻓﻲ ﻤﺠﺎل ﻨﻅﺎﻡ ﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻥ ﺍﻟﺩﺍﺨﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺤﺩ ﺴﻭﺍﺀ. ﻓﻤﻥ ﺍﻟﻤﺴﻠﻡ ﺒﻪ ﺃﻴﻀﺎ، ﺇﻟﺯﺍﻡ ﺍﻟﺩﻭﻟﺔ ﺒﺘﻨﻔﻴﺫ ﺍﻻﺘﻔﺎﻗﻴﺔ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ ﻓﻲ ﺇﻁﺎﺭ ﻨﻅﺎﻤﻬﺎ ﺍﻟﻘﺎﻨﻭﻨﻲ ﺍﻟﺩﺍﺨﻠﻲ، ﻟﻴﺱ ﺇﻟﺯﺍﻤﺎ ﺒﺒﺫل ﻋﻨﺎﻴﺔ ﻓﺤﺴﺏ ﺒل ﻫﻭ ﺍﻟﺘﺯﺍﻡ ﺒﺘﺤﻘﻴﻕ ﺍﻟﻨﺘﻴﺠﺔ، ﻭﺃﻥ ﺍﻹﺨﻼل ﺒﻬﺫﺍ ﺍﻹﻟﺯﺍﻡ ﻤـﻥ ﺸـﺄﻨﻪ ﺃﻥ ﻴﺭﺘﺏ ﻤﺴﺅﻭﻟﻴﺘﻬﺎ ﺍﻟﺩﻭﻟﻴﺔ. ﻓﺎﻷﺼل ﺃﻥ ﺍﻻﺘﻔﺎﻗﻴﺔ ﺇﺫﺍ ﺃﺼﺒﺤﺕ ﻨﺎﻓﺫﺓ ﺘﻜﻭﻥ ﻭﺍﺠﺒﺔ ﺍﻟﺘﻁﺒﻴﻕ ﻋﻠﻰ ﺇﻗﻠﻴﻡ ﻜل ﺩﻭﻟﺔ ﻁﺭﻑ ﻓﻴﻬﺎ ﻓﺎﻟﺩﻭﻟﺔ ﺇﺫﺍ ﺃﺒﺭﻤﺕ ﺍﺘﻔﺎﻗﻴﺔ ﻓﺈﻥ ﺴﺎﺌﺭ ﺴـﻠﻁﺎﺘﻬﺎ ﺍﻟﻌﺎﻤـﺔ ﻭﻜﺎﻓـﺔ ﺭﻋﺎﻴﺎﻫﺎ ﻴﻠﺘﺯﻤﻭﻥ ﺒﺘﻁﺒﻴﻕ ﺃﺤﻜﺎﻤﻬﺎ. ﺫﻟﻙ ﺃﻨﻪ ﻻ ﻗﻴﻤﺔ ﻻاتفاقية ﺩﻭﻟﻴﺔ ﺇﻻ ﺇﺫﺍ ﻨﻔﺫﺕ ﺩﺍﺨل ﻜل ﺩﻭﻟﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻨﻔﺭﺍﺩ، ﻭﻤﻥ ﺜﻤﺔ ﻜﺎﻥ ﻟﺯﺍﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻜل ﺩﻭﻟﺔ ﺩﻤﺞ ﺍﻻﺘﻔﺎﻗﻴﺔ ﺍﻟﻤﺼﺎﺩﻕ ﻋﻠﻴﻬـﺎ ﻓـﻲ ﺘﺸﺭﻴﻌﻬﺎ ﺍﻟﺩﺍﺨﻠﻲ ﻤﻥ ﺃﺠل ﻀﻤﺎﻥ ﺤﺴﻥ ﺘﻁﺒﻴﻘﻬﺎ ﻤﻥ ﻁﺭﻑ ﺍﻟﺴﻠﻁﺔ ﺍﻟﻘﻀﺎﺌﻴﺔ.[5]

الفقرة الثانية: التشريعات المقارنة والتشريع المغربي.
- التشريع الفرنسي و الاسباني :حيت أن من أهم التدابير التي أتيا بها هو اعتمادهم على تقنية اللائحة الحصرية للجرائم التي تندرج في خانة الجريمة المنظمة فالتشريع الفرنسي حصر اللائحة في 15 جريمة المادة (706/73) أما المشرع الاسباني فحصر اللائحة في 16 جريمة المادة (282)[6]
- التشريع الايطالي: لم يعترف بالمشاركة في الجريمة المادة 110 من القانون الجنائي الايطالي وهذا ما تجلى بالخصوص حول ما جاءت به المادة 416 اذ انها سوت في المسؤولية الجنائية كل من قام بارتكاب جرائم في إطار جماعة إجرامية تضم 3 افراد واكتر بدون تمييز بين من أسس أو نظم أو حرض . [7]
- التشريع المغربي: من اهم القواعد الجنائية الموضوعية التي استحدثها المشرع المغربي هي تلك التي تهم تجريم غسيل الاموال فبالعودة إلى قانون 05/43 المتعلق بمكافحة غسل الأموال نقف على ملاحظتين الاولى ان المشرع لم يقم بتعريف للجريمة لكنه قام بتعداد لبعض الافعال التي تكون جريمة غسل الاموال حيث حدد هذه الجرائم على سبيل الحصر في المادة 574/2 على الشكل التالي :
الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية .
تهريب المهاجرين .
المتاجرة بالبشر
الاتجار الغير المشروع في الاسلحة والذخيرة
الرشوة واستغلال النفود واختلاس الاموال العامة والخاصة
الجرائم الارهابية
تزوير النقود وسندات القروض العمومية ووسائل الاداء الاخرى

المطلب الثاني: التدابير الإجرائية .
على غرار المطلب الأول سنحاول رصد هذه التدابير من خلال ما جاء في كل من اتفاقية باليرمو (الفقرة الأولى) والتشريعات المقارنة والتشريع المغربي(ثانيا)

الفقرة الأولى : اتفاقية باليرمو[8].
نصت الاتفاقية على مجموعة من التدابير تهم كل من:
ü -تدابير لمكافحة غسل الأموال المادة 7
-تدبير تهم مكافحة الفسادالمادة9
-الملاحقة والمقاضاة المادة11
المصادرة والضبط المادة 12
الولاية القضائية المادة15
تسليم المجرمين المادة 16
نقل الأشخاص المحكوم عليهم المادة17
التحقيقات المشتركة المادة 19
أساليب التحري الخاصة المادة20
إنشاء سجل جنائي المادة 22
حماية الشهود المادة 24
مساعدة الضحايا وحمايتهم المادة 25[9]

الفقرة الثانية :التشريعات المقارنة والتشريع المغربي.
التشريع الاسباني : قامت اسبانيا بعد الدخول في معاهدة schengen واثر النقد الحاد الذي وجه للمادة 203 من قانون المسطرة الجنائية المتعلقة بمسطرة التسليم المراقب محصورة في مجال تهريب المخدرات بتمديد هذه المسطرة لتشمل باقي الصور الاخرى من الاجرام المنظم في تعديل 1999[10]
التشريع الفرنسي:لاجل مواكبة خاصية التطور للجريمة المنظمة كما تم تحديدها في المادة 706/73 قانون .ج .الفرنسي اصدر المشرع الفرنسي قانون 9 مارس 2004 ومن أهم التدابير الإجرائية التي أتى بها:
-تمديد الحراسة النظرية إلى 96 ساعة عندما يتعلق الأمر بجريمة منظمة إذا وجدت أسباب معقولة des raisons plausibles المادة 706/88 من قانون المسطرة الجنائية
إجراء التنصت الهاتفي في إطار البحث التمهيدي أو التفصيلي بالتماس من وكيل الجمهورية لكن بترخيص من قاضي الحريات والاعتقال المادة706/95 م ج الفرنسي.
يمكن إجراء التفتيش بين الساعة التاسعة والسادسة صباحا في حالة الحصول بترخيص من قاضي الحريات والاعتقال والقيام بالتفتيش من قبل وكيل الجمهورية .[11]
التشريع الايطالي: من الأمثلة على التدابير المستحدثة في التشريع الايطالي نجد كل مما تنص عليه المادة 18 من القانون رقم 354/1975 الذي يمنح صلاحيات خاصة لأعضاء مديرية التحري ومحاربة المافيا la direction des investigation antimafia (DIA) بزيارة جميع المؤسسات السجنية وإجراء مقابلة مع السجناء .أيضا نجد ما يمنحه القانون من سلطة التحقيق لوكيل الجمهورية أو لرئيس الشرطة الإقليمية في ممتلكات كل من يشتبه بعضويتهم في منظمات المافيا.المادة 2 من قانون رقم 515/1965.كذلك من بين التدابير والتي أثارت الكثير من الجدل ما جاء في قانون رقم 374/2001 في المادة الرابعة منه حول الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرجال الشرطة حيث انه استثناءا مما جاء في المادة 51 من القانون الجنائي الايطالي فلا يعاقب رجال الشرطة الذين اطلعوا على الوثائق والهويات من خلال الاستفادة من شبكة الاتصال بدون التقيد بالقواعد القانونية التي تنظم مثل هذه الإجراءات.[12]

في التشريع المغربي: سنقتصر ما جاء في:
§ قانون حماية الشهود والضحايا: هذا القانون الذي يستمد مرجعيته من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة (المادتان 24 و 25) واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (المادتان 32 و33) والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (القاعدة 87) ويهدف إلى تقديم المساعدة والحماية اللازمتين للضحايا والشهود والخبراء والمبلغين في الجرائم التي يحددها هذا النص وأفراد أسرهم أو أقاربهم، كلما توفرت أسباب جدية من شأنها أن تعرض حياتهم أو سلامتهم الجسدية أو مصالحهم الأساسية للخطر أو لضرر مادي أو معنوي يتعلق الأمر بجرائم الرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس والتبديد والغدر وغسل الأموال، والمس بأمن الدولة، والإرهاب والعصابات. لإجرامية والقتل والتسميم، والاختطاف وأخذ الرهائن وتزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام، والمخدرات والمؤثرات العقلية، أو الأسلحة والذخيرة والمتفجرات وحماية الصحة. ويسمح مشروع القانون لوكيل الملك أو للوكيل العام للملك أو لقاضي التحقيق كل في ما يخصه، تلقائيا أو بناء على طلب أن يتخذ واحدا أو أكثر من التدابير التي أتى بها هذا القانون.[13]
§ قانون مكافحة غسيل الأموال 43/05 :من أهم التدابير التي أتى بها هو إحداثه لوحدة معالجة المعلومات المادة14 وللصلاحيات المهمة التي أناط بها تلك الوحدة نظرا لما يميز تركيبتها من حيت تعدد الجهات التي تتعاون بينها ضمن الوحدة أيضا من التدابير هو الاختصاص النوعي والمكاني للجهة القضائية التي لها صلاحية التصدي لمثل هدا النوع من الإجرام وذلك ما حددته المادة 38 من قانون الوقاية من جرائم غسل الأموال الاختصاص النوعي والمكاني لمحاكم الرباط فيما يخص المتابعات والتحقيق والبت في الأفعال التي تكون جرائم غسل الأموال ويمكن للمحاكم المذكورة لأسباب تتعلق بالنظام العام وبصفة استثنائية، أن تعقد جلساتها في مقرات محاكم أخرى كهيأة تنقلية.. ويختص رئيس المحكمة الابتدائية بالرباط في منح أجل إضافي للوحدة للاعتراض على تنفيذ أية عملية تتعلق بجرائم غسل الأموال. ومما لا شك فيه أن هذا الاختصاص ينعقد أيضا للسيد الرئيس الأول لدى محكمة الاستئناف بالرباط عندما يتعلق الأمر بجنايات مرتبطة بجرائم غسل الأموال . وفي إطار اختصاص محاكم الرباط يمكن أن ينعقد الاختصاص للمحكمة الابتدائية بالرباط عندما ينحصر الأمر في الجنح، وينتقل الاختصاص إلى محكمة الاستئناف بالرباط عندما يتعلق الأمر بالجنايات، ويمكن أيضا أن يكون الاختصاص للمحكمة العسكرية بالرباط إذ تعلق الأمر بحاملي السلاح في إطار جرائم لها علاقة بغسيل الأموال.[14]

المبحث الثاني: التدابير المالية والإستخباراتية لمواجهة الإجرام المنظم.
سنتناول هذا المبحث من خلال كل من التدابير المالية (المطلب الاول) والتدابير الادارية (المطلب الثاني)
المطلب الأول:التدابير المالية في مواجهة الجريمة المنظمة
لقد اتسمت الجريمة المنظمة عبر الوطنية في السنوات الأخيرة بأنشطة إجرامية اقتصادية تحقق لها أرباحا طائلة دون الحاجة إلى كثير من الأعمال التنفيذية التي كانت تقوم بها عصابات الجريمة المنظمة في السابق، فقد أصبح الحصول على الأموال غير المشروعة أيسر وأسهل مما كان في الماضي، حيث تلجأ إلى أنشطة إجرامية تتجاوز حدود الدول دون أن يتطلب منها دلك انتقال أعضائها أو جزء من كيانها عبر الحدود الجغرافية للدول،
فالجرائم المنظمة الاقتصادية التي تقوم بها جماعات الجريمة المنظمة عبر الانترنيت، أصبحت تضاهي في جني الأرباح غير المشروعة جرائم منظمة أخرى يتم تنفيذها بواسطة وسائل إجرامية متعددة، ودلك بسبب شمولية الجرائم المنظمة عبر الانترنيت وسرعة تنفيذها وتدني مستوى المخاطر فيها مقارنة بشبكات الإجرام المنظم الأخرى.
وتعتبر جرائم غسل الأموال من الجرائم المنظمة التي لها أكبر الآثار السلبية على الاقتصاد المحلي والدولي على حد السواء، فجرائم غسل الأموال تعتبر القناة التي تصب فيها عوائد الجريمة المنظمة، والأنشطة غير المشروعة[15]، لكي تتمكن من تحويل تلك الأموال إلى مصدر أو نشاط مشروع تستخدمها لمواصلة أنشطتها الإجرامية دون تعرضها للمصادرة.
ومن أهم الآثار الاقتصادية للجريمة المنظمة هي آثار غسيل الأموال الناتجة منها نذكر منها:
ـ الدولة المحولة منها الأموال القدرة الناتجة عن الجريمة المنظمة تحرم من استغلالها في التنمية.
ـ استغلال الأموال الناتجة من الجريمة في الاستثمارات المشروعة لإتمام عملية غسلها، أو دمجها مع أموال أخرى ذات مصادر مشروعة [16] يضعف ثقة المتعاملين مع هده المشاريع، وبالتالي يتأثر اقتصاد الدولة سلبا.
ـ استبدال العملة الوطنية المستمدة من الأنشطة الإجرامية بأخرى أجنبية في سبيل غسلها عن طريق تحويلها يترتب عليه انخفاض قيمة العملة الوطنية في مقابل تلك العملات الأجنبية، كدلك هروب تلك الأموال من الضرائب نتيجة الإقتصاد الخفي يؤدي إلى نقص موارد الدولة.
هده الآثار التي تتركها الجريمة المنظمة دات تأثير ضار على اقتصاد الدول مما يضعف جهود التنمية وصعوبة التسيير الاقتصادي، ومن ثم فساد النظام المالي والمصرفي، الشيء الدي يؤدي إلى تهديد للمؤسسات المالية والتجارية للدول بشكل عام.
بعد أن أدركت دول العالم خطورة جريمة غسيل الأموال وبسبب الطبيعة الخاصة لهده الجريمة والأضرار البالغة التي تسببها لها من الناحية الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، فقد تضافرت جهود الكثير من الدول لمكافحة هده الجريمة عن طريق عقد العديد من الاتفاقيات الدولية وسنتناول أهمها على النحو الآتي:
الفقرة الأولى: مكافحة غسل الأموال في الاتفاقيات الدولية:
يمكن القول أن عام 1988 يمثل سنة الإرتكاز بالنسبة للجهود الدولية في حقل غسيل الأموال [17]، ففي عام 1988 وتحديدا في 19/12/88 صدرت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة أنشطة ترويج المخدرات (اتفاقية فيينا 1988) وتعد أهم اتفاقيات الأمم المتحدة باعتبارها قد فتحت الأنظار على مخاطر أنشطة غسيل الأموال المتحصلة من المخدرات وأثرها المدمر على النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول، وهده الاتفاقية لا تعد من محتواها اتفاقية خاصة بغسيل الأموال إد هي في الأساس اتفاقية في حقل مكافحة المخدرات، بيد أنها تناولت أنشطة غسيل الأموال المتحصلة من تجارة المخدرات، باعتبار أن تجارة المخدرات تمثل أكثر المصادر أهمية للأموال القدرة محل عمليات الغسيل[18].
إلى جانب جهد الأمم المتحدة، وبعد عام واحد تقريبا تأسس إطار دولي لمكافحة جرائم غسيل الأموال
نشأ عن اجتماع الدول الصناعية السبعة الكبرى[19]، وقد عكفت هده المنظمة على تحديد أنشطة غسيل الأموال وفتحت عضويتها للدول الراغبة، وشيء فشيء وعبر خبرائها ولجان الرقابة أخدت تكشف عن أوضاع غسيل الأموال في دول العالم كل دلك عبر آلية التقارير السنوية التي تصدرها وتحضى باهتمام الجهات الحكومية والتشريعية في مختلف دول العالم[20].
ويرجع لهده المنظمة الفضل في وضع أول دليل ارشادي لأنشطة غسيل الأموال وهو في الحقيقة توصيات (التوصيات الأربعون) يجري الاعتماد عليها في وضع استراتيجيات المكافحة والتدابير التشريعية ويعتمد عليها من قبل المؤسسات المالية والمصرفية لتقيم أدائها في هدا الحقل[21].
هدا وقد صدرت الأمم المتحدة من خلال المؤتمر العاشر سنة 2000، ما يعرف باتفاقية باليرمو حيث التزمت الدول الأطراف عند تصديقها على المعاهدة بتجريم عمليات غسل الأموال وفقا للمبادئ الأساسية لقانونها الداخلي بتجريم الأفعال التالية:
1ـ تحويل الممتلكات أو نقلها مع العلم بأنها عائدات جرائم بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الأموال أو مساعدة أي شخص ضالع في ارتكاب الجرم الأصلي الدي تأتت منه على الإفلات من العواقب القانونية لفعلته.
2ـ إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأنها عائدات جرائم.
3ـ اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع العلم ـ وقت تلقيها ـ بأنها عائدات إجرامية.
4ـ المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهده المادة أو التآمر على ارتكابها، ومحاولة ارتكابها والمساعدة والتحريض على دلك وتسهيله وإسداء المشورة المقررة بشأنه.
وقد شددت الاتفاقية على الدول الأطراف بأن تحرص على إنشاء نظام للرقابة والإشراف على المصارف والمؤسسات المالية المصرفية وسائر الهيئات المعرضة بشكل خاص لغسل الأموال من أجل ردع وكشف جميع أشكال غسل الأموال[22]. مع الأخذ بالاعتبار ظروف كل دولة وسياستها الجنائية وظروفها العامة، وتفعيل قدرة الأجهزة الإدارية أو الرقابية وسائر الأجهزة المكرسة لمعالجة ومكافحة غسل الأموال على التعاون وتبادل المعلومات على الصعيدين الوطني والدولي[23].
ويتعين على الدول الأطراف أن تنظر في تقنين تدابير مجدية لكشف ورصد حركة النقد والصكوك القابلة للتداول ذات الصلة عبر حدودها، ويجوز أن تشمل تلك التدابير اشتراط قيام الأفراد والمؤسسات التجارية بالإبلاغ عن تحويل الكميات الكبيرة من النقد ومن الصكوك القابلة للتداول م8/2 من الاتفاقية مع العمل على تطوير وتعزيز التعاون الدولي أو العالمي والاقليمي، ودون الإقليمي، والثنائي بين الأجهزة القضائية وأجهزة إنفاذ القانون، وأجهزة الرقابة المالية من أجل مكافحة غسل الأموال[24].
ولاشك أن حرص اتفاقية الأمم المتحدة على تحريم غسل العائدات الإجرامية وإبراز تدابير المكافحة على النحو المذكور في المادتين 6، 7 من الاتفاقية تبرز لنا حرص الأمم المتحدة على مكافحة الإجرام المنظم عبر الدول والدي يمثل غسل الأموال أحدث صوره وأشكاله.
الفقرة الثانية: مكافحة غسيل الأموال في الدول الغربية والعالم العربي
سنحاول الوقوف على مجهودات الدول الغربية ـ خاصة نمودج الاتحاد الأوربي، على أن نتناول في الشق الثاني موفق الدول العربية من مكافحة غسل الأموال.
ـ مجهود الدول الغربية ـ نموذج الاتحاد الأوربي ـ :
من حيث الجهد القانوني فيظهر بشكل بارز في إطار الاتحاد الأوربي، حيث صدر عام 1990 الاتفاقية الأوربية المتعلقة بإجراءات التفتيش والضبط الجرمي لغسيل الأموال وحددت الإطار الدولي للتعاون في حقل مكافحة الأنشطة الجرمية لغسيل الأموال ومثلت الإطار القانوني الإرشادي للبرلمانات الأوربية في معرض اتخاذه التدابير وسن التشريعات للتعاون من أجل مكافحة جرائم غسيل الأموال. وعلى هدي التوصيات الأربعين الصادرة عن إطار الدي أنشأنه مجموعة الدول الصناعية السبعة، صدر عن اللجنة الأوربية/ الاتحاد الأوربي دليل الحماية من استخدام النظام المالي في أنشطة غسيل الأموال لعام 1991 وقد هدف هدا الدليل الارشادي إلى وضع إطار قانوني لجهات مكافحة غسيل الأموال في دول الاعضاء وقد جرى تطبيق محتواه في العديد من التشريعات الأوربية منها قانون العدالة الجنائية البريطاني لعام 1993.[25]
ومن حيث الجهد المالي وعلى صعيد الهيئات المتخصصة فإن اللجنة الدولية للنظام البنكي والممارسات الاشرافية اصدرت مبادئ ارشادية للحماية من جرائم غسيل الأموال في كانون اول عام 1988 عرفت باسم BASLLE STATEMENT OF PRINCIPLES
وفي المرحلة الحالية ثمة جهود واسعة في الاطار المالي والتكنيكي لمكافحة غسيل الاموال وتحديدا لاستخدام الوسائل الالكترونية تبدل من قبل الهيئات المالية الدولية غير الربحية أو التجارية مثل هيئة سريفت التي عكفت على إجراء دراسات وإصدار سياسات وتوجيهات ارشادية في ميدان الدفع النقدي الالكتروني والأموال الالكترونية وآليات غسيل الأموال باستخدام شبكات المعلومات وفي مقدمتها استخدام التقنيات الحديثة لتبادل البيانات المالية، ويتقاطع هدا الجهد مع الجهود المبدولة في حقل البنوك الالكترونية وبنوك الانترنت المتخدة من قبل الهيئات المتخصصة والخبراء في البنك الدولي وبنك التسويات ومختلف منظمات النظام الاقتصادي والتجاري الدولي وكدلك منظمات وهيئات وشبكات النشاط المصرفي [26].
هدا وقد أصبح الاقتصاد المحرك الرئيسي للتنمية الوطنية ومن ثم للعلاقات الدولية، فمن يستطيع التحكم في القرار الاقتصادي هو من يتحكم في القرارات الاستراتيجية الدولية، وبمفهوم المخالفة فإن الدولة التي لا يمكنها ضبط أوضاعها الاقتصادية تكون عرضة للتحكم فيها من الخارج سواء من الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية أو من المنظمات الإجرامية التي تتستر تحت غطاء الشركات المتعددة الجنسيات أو الشركات السياحية أو غيرها من الشركات التي تمارس في الظاهر نشاطا مشروعا بعائدات قدرة.
وإن كان الإصلاح يبدأ بالداخل فإن على الدول لمكافحة الجريمة المنظمة على المستوى الاقتصادي أن تتخد جملة من التدابير منها مثلا:
ـ تخفيض الرسوم والضرائب على المواطنين تفاديا لاستنزاف ما لديهم من سيولة أو مال خاصة وأن أغلبهم محدودو الدخل وتعويض دلك برفعها على الأغنياء من دوي النفود ودلك للإنقاص من الهوة السحيقة الموجودة بين طبقتي الإغنياء والفقراء والتي قد تدفع هاته الفئة الأخيرة إلى الوقوع في شبكات الإجرام المنظم لاستيفاء حقوقها.
ـ رفع المستوى المعيشي للمواطنين عن طريق العمل على إعادة توزيع فائض الثروة الوطنية توزيعا عادلا بما يساهم في محاربة جدية لظاهرة الفقر لإغلاق الباب أمام أ محاولة لاستغلال الوضع المعيشي المتردي للمواطنين من أجل توريطهم في جرائم منظمة كما هو الحال بالنسبة لجرائم تهريب المهاجرين أو جرائم بيع الآباء لأطفالهم أو بناتهم
ـالسماح بتعقب التصرفات المالية المشبوهة وملاحقة الأموال المشكوك في مصدرها ولو كانت ضمن الحسابات الرقمية السرية ومراقبة النشاطات الاقتصادية والتجارية لأصحاب هده الحسابات للحيلولة دون اشتراكهم في جرائم منظمة.[27]
ـ موقف الدول العربية من جريمة غسيل الأموال[28]:
إن بناء إطار قانوني عربي لمكافحة جرائم غسيل الأموال، يتعين أن ينطلق ابتداءا من استراتيجية واضحة المعالم تحدد مصادر الخطر، انماط عمليات الغسيل، المراحل التنفيدية لها، الترتيبات التي يتخدها غاسلوا الأموال ومعاونيهم، والبناء القانوني القائم بما بحتويه من ثغرات تمكن لغاسلي الاموال النفاد من خلالها لتحقيق أنشطتهم غير المشروعة.
فإدا ما وقفنا على المحتوى الفني لعمليات الغسيل والواقع القانوني لقائم الدي يتيح النفاد، انتقلنا إلى تبين خصائص النظام المالي العربي والأنشطة المصرفية والواقع القانوني المتصل بها لتبين أوجه التخصيص الخاصة بالبيئة العربية، وبتكامل هاتين الصورتين تتضح لنا النتائج فتتحدد أمامنا الصور الجرمية المتعين اتخاد التدابير لمكافحتها فيجري عندئذ تحديدها بشكل دقيق لننتقل إلى الجزء الثاني من الإستراتيجية وهو آليات المكافحة، وهي هنا آليات إدارية ومالية وقانونية، يستتبعا آليات تعاون وطني وإقليمي ودولي، تترابط حلقاته وتتشابك محققة في الوقت ذاته توازن بين أهمية المكافحة وفعاليتها من جهة، وموجبات حماية السيادة الوطنية والاقتصاد الوطني من جهة أخرى[29].
وبناء إستراتيجية يتعين أن يعتمد على خبرات وكفاءات بحثية وعلمية وعملية من مختلف القطاعات تحقق القدرة على الإحاطة بمختلف أبعاد المسألة، القانونية والفنية والإدارية،
فإذا تحقق وجود مثل هده الإستراتيجية كان من الواجب أن ننتقل إلى آليات تنفيذها، وتنفيذ الاستراتيجيات يتحقق لاتخاذ التدابير التشريعية القوانين أو الأنظمة أو التعليمات، وتنفيذ برامج التأهيل والتدريب للأشخاص والجهات التي تنيط به الإستراتيجية مهمة المكافحة أو الرقابة على الأنشطة المالية أو مهمة الإخبار عن الأنشطة المشكوك بها، ويمثل الإطار التدريبي والتأهيلي احد أهم روافع فعالية أنشطة المكافحة، ويمتد التدريب إلى موظفي المؤسسات المالية والمصرفية بمختلف مراتبهم ووظائفهم وإلى جهات الضابطة العدلية والقضائي والقانون وإلى الجهات الحكومية وجهات القطاع الخاص في آن واحد[30].
ـ سلوكيات لازمة لمواجهة خطر غسيل الأموال ـ في إطار الاستراتيجيات المصرفية ـ :
أهم عنصر من عناصر ضمان عدم الوقوع في منزلقات أنشطة غسيل الأموال، عدم تهاون المصرف في التوثق من شخص العميل وتحديدا لدى بدء التعامل، وإذا كانت المصارف العربية تولي اهتماما بشأن الأشخاص الطبيعية، فإن اهتمامها ليس بذات القدر بشأن الأشخاص المعنوية وتحديدا الشركات والمؤسسات والجمعيات، مع أن الخطر في الغالب قد يكون لدى هده الفئة..، صحيح أن البنوك تتطلب وثائق مصدقة، لكن كثيرا من السلوكيات تتجاوز أهمية التوثق من حقيقة وجود الشخص المعنوي، مكتفية بالظاهر غالبا، مع أن أهم ما دربت عليه المؤسسات المصرفية ان معرفة الزبون تتطلب معرفة سياسة عمله ونطاق نشاطه وليس معرفة شخصه فحسب[31].
ـ الحذر من العميل الذي يخفي المعلومات أو يقدم معلومات غير كافية
ـ اعتماد سياسة التقارير الدولية حول النشاط المصرفي وتحليل مخرجاتها[32]
هده السلوكيات الأدبية، جزء يسير مما تتضمنه عادة الأدلة التوجيهية الموجودة بين أيدي المصرفيين، لكن التساؤل، لمادا هده السلوكيات الأربعة دون غيرها؟ إنها مسألة تتصل بما يظهره واقع النشاط المصرفي العربي، إذ قد لا تكون السلوكيات الأخرى ذات أثر في ظل رقابة البنك الداخلية وفي ظل سياساته العملية وكذلك في ظل أنشطة الإشراف والرقابة من البنك المركزي.
هدا ويعد مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة المنظمة أبرز صور التعاون القضائي الدولي وأكثر الوسائل فاعلية في مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية لأن المصادرة تقضي على الهدف الرئيسي لعصابات الجريمة المنظمة وهو الربح وهو ما يؤدي إلى شلل هده التنظيمات[33].
وعادة ما تقوم عصابات الجريمة المنظمة بإخفاء الأموال المتحصلة من الجريمة في دول أخرى غير التي ارتكبت فيها الجريمة.
وقد قضت اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة بهدا التعاون في المادة 12 فقرة1 بأنه على الدول الموقعة تقديم أقصى ما يمكن من مساعدة في حدود القوانين الداخلية والأغراض المصادرة ، كما أعطت الفقرة 6 من المادة نفسها السلطات القضائية في الدول الموقعة أن تأمر بتقديم السلجات المصرفية أو المالية أو التجارية أو التحفظ عليها ولا يجوز لها الاحتجاج بالسرية المصرفية للامتناع عن القيام بهدا الأمر[34] .
كدلك على كل دولة طرف في هده الاتفاقية، تتلقى طلبا من دولة أخرى بمصادرة أموال أو معدات أو أشياء أخرى متعلقة بالجريمة على اقليمها عليها أن تقوم بإحالة الطلب إلى سلطاتها المختصة لاستصدار حكم مصادرة أو تنفيد حكم صادر من الدولة الطالبة بالقدر المطلوب وفي حدود الطلب، وتعتبر المادة 13 فقرة 1 بالإضافة إلى مواد أخرى من الاتفاقية اهتمت بالتعاون القضائي في مكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية [35].
كما دعت الاتفاقية الدول إلى أن تقوم بإبرام اتفاقيات متعددة الأطراف أو ثنائية في سبيل المزيد من التعاون الدولي، لمكافحة الجريمة المنظمة، ولتسهيل إجراءات مصادرة الأموال المتحصلة من الجريمة المنظمة وكدى تسليم المتهمين الرئيسيين بين الدول.
المطلب الثاني: التدابير الاستخباراتية لمكافحة الجريمة المنظمة.
لقد شكلت محاربة الجريمة المنظمة ,من بين المهمات الصعبة التي تعترض الدول خصوصا في ظل التطور المستمر الذي تعرفه هذه الجريمة و في ظل الاستغلال الذي تقوم به لوسائل الاتصال[36] من أجل تطوير نشاطها الإجرامي و تقوية مخططاتها وربط التنسيق بين أعضائها المتواجدين بالخصوص في دول مختلفة , ثم العمل على تنفيذ الجريمة في جو يطبعه السرية و عنصر المباغتة [37].
الشيء الذي يجعل معه أن أثار الجريمة المنظمة لا تواجه مجتمعا بعينه بقدر ما تهدد المجتمع الدولي ككل في جميع مصالحه خصوصا و أن من أحد سمات هذا النوع من الإجرام في الوقت الحاضر هو أنه عابر للحدود.
مما دفع بالدول إلى ضرورة نهج آليات في سبيل التصدي لهذا النوع من الإجرام المعقد و محاربته وذلك من خلال خلق تنسيق قوي بين مختلف الوسائل القانونية .
والتركيز في ذلك ما أمكن على الجانب ألاستخباراتي ,الذي سيمكن من تبادل مختلف المعلومات و البيانات فيما بين الجهات المعنية من أجل مكافحة الإجرام المنظم بخطوات استباقية أكثر ,و التي تمكن من التدخل قبل تنفيذ ماديات الجريمة .
ومن أجل إنجاح هذه التدابير الاستخباراتية في مكافحة الإجرام المنظم ,فانه يعد من الضروري أن تكون هناك استراتيجية وطنية ثم أخرى دولية بالشكل الذي سيمكن من تقوية الجهود و التضييق على أعضاء الجريمة وطنيا و دوليا.
لذا نجد بأن المغرب والذي يعد من بين الدول المنخرطة في مكافحة الجريمة المنظمة قد سعى إلى تحقيق إحداث مثل هذه التدابير الاستخباراتية وذلك من خلال انضمامه إلى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية [38], بتاريخ 17 يونيو 1957 خلال الدورة السادسة و العشرين للجمعية العامة للمنظمة المنعقدة بلشبونة بالبرتغال [39] وذلك من أجل تحقيق التعاون المشترك لتوفير الأمن واستتبابه.
وتشتمل هذه المنظمة على تنظيم هيكلي أساسي من الجمعية العامة و الأمانة العامة هذه الأخيرة التي تتوفر على مجموعة من الأقسام أهمها قسم الشؤون المالية و الإدارية و الشؤون القانونية وقسم الاستخبارات والمعلومات الجنائية,كما تتوفر المنظمة على مكاتب مركزية وطنية يوجد مقرها بالدول الأعضاء والتي تشكل هذه المكاتب المخاطب الوحيد مع الأمانة العامة للمنظمة من أجل تنسيق التعاون الأمني بين المنظمة والدول .
وتستخدم المنظمة الدولية للشرطة الجنائية في سبيل مكافحتها لللاجرام و تعقب المجرمين و المتهمين أينما حلو و ارتحلوا ,وسائل فنية وتقنية باستخدام النشرات الدولية , عبر منظومة معلوماتية حديثة [40]
و يعمل الانتربول بارع لغات رسمية الاسبانية و الانجليزية و العربية والفرنسية ,كما يتولى في سبيل مكافحته للإجرام القيام باستراتيجية متكاملة تعتمد بالاساسعلى التكنولوجيا الحديثة ,وما عرفته من تقدم في مجال الاتصال, فهو يتلقى من خلال البلدان الأعضاء للمنظمة كل المعلومات الجنائية ثم يقوم بتخزينها في قاعدة المعلومات التي يتوفر عليها وذلك من أجل تحليل هذه المعلومات الجنائية ليعممها بعذ ذلك على جميع الدول .
هذا و تضطلع الأمانة العامة لمنظمة الدولية الشرطة الجنائية بدور أساسي في تبادل المعلومات و البيانات بين الدول الأعضاء, و تشجيع البلدان الأعضاء على استخدام منظومة الاتصالات التي تتيح لمستخدميها على مدار الساعة التقصي الأوتوماتيكي في المعلومات التي تم تجميعها من كل أنحاء العالم و المحفوظة بقواعد البيانات المركزية في ليون"[41]
لذا ومن خلال ما سبق ,نجد بان هذه المنظمة قد حققت من خلال نظامها المعلوماتي المكثف قد استطاعت توفير دعم قوي للمجهودات البذولة من طرف الشرطة في مكافحتها للإجرام المنظم.
فنجد أنه وفي إطار المكافحة التي تقوم بها المنظمة, لبعض أنواع من الجرائم الخطيرة كما هو الشأن مثلا بالنسبة للاتجار في المخدرات , الذي تزايد ت خطورتها خصوصا مع ما أصبحت تشكله من تهديد حقيقي لأجهزة الدول ومؤسساتها الاقتصادية و السياسية و مواقع السلطة فيها[42] , حيث تقوم هذه المنظمة بأدوار ريادية من خلال الإستراتيجية التي تنهجها في سبيل مكافحة هذا النوع من الإجرام , فالمكاتب المركزية الوطنية التي تتواجد بالدول الأعضاء تقوم ببعث تقارير للأمانة العامة للمنظمة هذه الأخيرة التي تتولى تحديد مناطق الزراعة ومناطق الإنتاج في العالم ,ثم التحديد الدقيق لأساليب تهريب هذه المخدرات ثم تعميم البيانات المتعلقة بمتاجري المخدرات –وهي معلومات ذات طبيعة استخباراتية- من أجل التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية للدول الأعضاء و الذي يعتمد بالأساس على تفعيل آلية التسليم المراقب والذي يعتمد بالأساس على مراقبة مرور الشحنات المحملة بالمخدرات قصد تحديد جميع العناصر الإجرامية المرتبطة بها.
هذا و تجدر الإشارة إلى أن التنسيق الذي يتم بين المنظمة الدولية للشرطة الجنائية و الدول الأعضاء من أجل مكافحة الجريمة المنظمة يتم في التزام تام بروح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي" يعترف بحقوق الإنسان و كرامته وكفالة حقه في الحياة و الحرية وسلامة شخصه وعدم استرقاقه واستبادته"[43]
كما أن التعاون الذي يتم في إطار منظمة الانتربول من أجل مكافحة الإجرام المنظم يتم بشكل بعيد عن كل الأمور التي لها طبيعة سياسية وعسكرية ودينية وعنصرية و ذلك من أجل ضمان حياد هذه المنظمة , وفي احترام لسيادة الدول .
هذا و لابد من الإشارة أخيرا أن التعاون و التنسيق و المشاركة في العمليات و التحريات الذي تم بين المغرب و منظمة الشرطة الجنائية الدولية , قد مكنت من التوصل إلى التصدي لمجموعة من العمليات الإجرامية و بنجاح وذلك بالقيام بتفكيك عصابات دولية و إحباط عمليات تتعلق بتهريب المخدرات أو البشر[44] .
كما شكل التعاون الذي تم بين المغرب ومنظمة الا نتربول في ما يتعلق بمكافحة الجريمة المنظمة وفاءا با للالتزامات القانونية التي يتحملها المغرب باعتباره من الدول المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة , والتي أكدت في المادة 27 منه على الدول المصادقة على الاتفاقية ضرورة العمل على تعزيز التعاون بين المنظمات الدولية أو الإقليمية و بين أجهزة الدول من أجل العمل على إنفاذ القانون.
هذا و وعيا بالتزام المغرب بالعمل المشترك في مجال مكافحة الجريمة المنظمة ، دوليا من خلال انخراطه في منظمة الانتربول , فانه وطنيا كذلك قد انخرط في استحداث استراتيجية وطنية تتعلق بمكافحة شبكات تهريب الأشخاص و مراقبة الحدود و التي أسند مهام تنفيذها لمديرية الهجرة ومراقبة الحدود.[45] من خلال فرقة و طنية للبحث و التقصي مكلفة بمحاربة الهجرة السرية وتختص بالتحقيق في الملفات المتعلقة بتهريب الأشخاص على مجموع التراب الوطني.
و يعود لهده المديرية الدور في تطبيق مختلف الآليات التي جاءت بها الإستراتيجية الوطنية لمكافحة شبكات الاتجار في البشر وذلك من خلال الاستخبارات و تبادل المعلومات فيما بين الجهات المعنية وكذا مراقبة الحدود والمتابعات القضائية ثم التعاون القضائي.
ففيما يتعلق بالتدابير الاستخباراتية التي تقوم بها هذه المديرية كآلية لمكافحة شبكات الاتجار في البشر فان ذلك يتمثل في تبادل المعلومات حول مختلف الطرق التي تتبعها العصابة الإجرامية من أجل استقطاب ونقل الضحايا، وكذا مختلف الطرق التي يتم بها تحقيق التواصل بين أفراد العصابة ثم تحديد قنواة التمويل[46] .
فالعمل على تبادل المعلومات سوف يسهل السلطات المعنية من محاربة الاتجار في البشر كما سيجعل السلطات في خطوة استباقية لمحاربة هذا الاتجار حينما يتم تحديد طريقة عمل هؤلاء المتاجرين.
الخاتمة:
لا شك أن خطر الجريمة المنظمة قد تخطى الحدود ولم يعد بمقدور الدول مقاومتها إلا بالتعاون فيما بينها وبإشراك المجتمع بمختلف شرائحه الاجتماعية خصوصًا الهيئات المدنية والمؤسسات الدينية والثقافية من خلال استراتيجيات تتضمن سياسات تشريعية واقتصادية واجتماعية ترمي إلى معالجة أسباب الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وإذا كان المجتمع الدولي قد تنبه لهذه الخطورة وانعقدت من أجل ذلك مؤتمرات عالمية وإقليمية ومحلية بقصد الترصد لهذا الخطر كل مرصد بسياسات تساوي أو على الأقل تقترب من حجم ذلك الخطر، إلا أن الجريمة المنظمة عبر الوطنية لا زالت غير عابئة بهذه السياسات والإجراءات ولا يزال نموها مطردًا مما يستوجب معه بذل المزيد من الجهود واستمرار الدول بالتعاون فيما بينها تجاه مكافحة الجريمة.

أصناف الجريمة الإرهابية في التشريع المغربي


حمد انوار
تتوزع الجرائم الإرهابية، في التشريع الجنائي المغربي، وخاصة قانون 03 ـ 03 المتعلق بمكافحة الإرهاب إلى صنفين :
1- جرائم أصلية.
2- جرائم مرتبطة بالجرائم الأصلية.
وسنتحدث عن كل صنف على حدة في فقرة مستقلة.
الفقرة الأولى : الجرائم الإرهابية الأصلية في القانون المغربي
ويمكن تحديدها كما يلي:

أولا: جرائم الاعتداء على الأشخاص
تشكل جرائم الاعتداء على الأشخاص ذروة الإجرام، لما تمثله من اعتداء على حياة الآخرين وإهدار لحقهم في الحياة وفي السلامة الجسدية .
والمشرع الجنائي، سواء في مجموعة القانون الجنائي أو في قانون مكافحة الإرهاب في الفصل 1،218 من ق.ج حمي حق الإنسان في سلامة جسده من خلال تجريمه أفعال الإيذاء البدني (الفصول من400 إلى 414 من ق ج).
بالإضافة إلى هذه الجرائم، فإن المشرع الجنائي حرم كذلك الاعتداء على حريات الأشخاص، واختطافهم واحتجازهم (الفصول من436 إلى 440 من ق ج).

ثانيا: جرائم التزييف والتزوير
تنطوي هذه الجرائم على المساس بالثقة العامة؛ لذا عدها المشرع في قانون 03 ـ 03 من الأفعال الإرهابية لما لها من المس الخطير بالنظام العام، ولا سيما الاقتصادي منه، بواسطة التخويف أو الترهيب، فجرائم التزييف والتزوير جميعها تشترك في كون ركنها المادي يرتكز على تغيير الحقيقة عمدا بغية خداع الغير بوقائع غير صحيحة، وقد تعرض المشرع الجنائي لهذه الجرائم في الباب السادس من الكتاب الأول من المجموعة الجنائية مخصصا لها سبعة فروع (الفصول من334 إلى391 من ق.ج).

ثالثا: التخريب أو التعذيب أو الإتلاف:
هذه الجرائم خطيرة، فهي عندما تصيب الممتلكات والأموال فإنها تعرض أيضا للخطر سلامة الأشخاص وحتى حمايتهم، ولهذا فإن العقوبات المقررة للزجر عنها بالغة الشدة في غالب الأحيان.

رابعا: الاعتداء على وسائل النقل والاتصال
تشكل وسائل النقل والاتصال دعامة أساسية للحركة الاقتصادية في الدولة، وكثيرا ما تكون مستهدفة من قبل الإرهابيين. لذا عمد المشرع إلى حمايتها في القانون الجنائي وفي النصوص الخاصة، وشدد في عقوبتها إذا ارتكبت في إطار جريمة إرهابية، وقد جاء هذا التجريم في الفقرة4 من الفصل1-218 والذي ينص على أن : تحويل الطائرات أو السفن أو أية وسيلة أخرى من وسائل النقل أو إتلاف منشآت الملاحة الجوية أو البحرية أو البرية أو تعييب أو تخريب أو إتلاف وسائل الاتصال تعتبر جريمة إرهابية .

خامسا: جرائم السرقة
إدراكا منه لخطورة هذه الجرائم، خصها المشرع الجنائي بعدة فصول (505 إلى539 من ق.ج). وجرائم السرقة وانتزاع الأموال تشكل جريمة إرهابية إذا كانت لها علاقة عمدا بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف (الفصل 1-218/5 ق.ج).

سادسا: الجرائم المتعلقة بالأسلحة والمتفجرات والذخيرة
تعتبر جرائم صنع أو حيازة أو نقل أو ترويج أو استعمال الأسلحة أو المتفجرات أو الذخيرة جرائم إرهابية إذا كانت لها علاقة عمدا بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف وفق ما جاء في الفصل 1-218/6 ق.ج.

سابعا: الجرائم المتعلقة بنظم المعالجة للمعطيات:
لقد أحسن المشرع الجنائي صنعا، حينما وضع إطارا قانونيا خاصا لتجريم الأفعال التي تعتبر جرائم ضد نظم المعالجة الآلية للمعطيات، وبذلك يكون قد وضع حدا للجدل الفقهي الذي كان حول الأساس القانوني لتكييف الأفعال التي تشكل جريمة معلوماتية.
وبالرجوع إلى الفصول المخصصة لذلك فإن المشرع الجنائي كان صارما في العقوبات التي تنتظر مقترفي هذه الجرائم، وعيا منه بالخطورة التي تكتسيها، كما عاقب على المحاولة (8-607 ق.ج) والمشاركة (9-607 ق.ج) في هذه الجرائم.

ثامنا: جريمة تزييف أو تزوير الشيك
تعتبر هذه الجريمة إرهابية إذا صاحبها التخويف أو الترهيب أو العنف وبالرجوع إلى المادة316 من مدونة التجارة يتبين لنا أن جرائم تزوير وتزييف الشيك على ثلاثة أنواع وهي:
1- تزييف أو تزوير الشيك.
2- استعمال عن علم أو محاولة الاستعمال لشيك مزيف أو مزور.
3- قبول تسلم شيك مزيف أو مزور أو نظيره، أو ضمانة ضمانا احتياطيا مع العلم بذلك.
تجدر الإشارة أنه إذا انتفى عنصر العلم بإذن الشيك مزيفا أو مزورا فإن الجريمة لا تتحقق لانعدام القصد الجنائي.

تاسعا: تكوين عصابات إجرامية.
تعد جريمة تكوين عصابات إجرامية من الجرائم العمدية، إذ لا تقوم ما لم يتوفر القصد الجنائي عند مرتكبها، هذا القصد الذي يهدف إلى إعداد وارتكاب فعل من أفعال الإرهاب الوارد في الفصول 1-218 و3-218 من القانون الجنائي كما تم تعديله بموجب قانون مكافحة الإرهاب .

عاشرا: إخفاء أشياء متحصلة من جريمة إرهابية
تعني هذه الجريمة : قيام شخص بارتكاب جريمة من الجرائم الإرهابية ثم يقوم شخص آخر بإخفاء ما تم تحصيله من هذه الجريمة. غير أن هذه الجريمة لا تثبت في حق الفعال إلا إذا توافر لديه عنصر العلم (النية الإجرامية).

حادي عشر: الإضرار بصحة الإنسان أو الحيوان أو البيئة.
بالرجوع إلى مقتضيات الفصل 3-218 ق.ج فإن المشرع سعى إلى تجريم ومعاقبة كل من يعمل إلى إدخال أو وضع مادة تعرض صحة الإنسان أو الحيوان أو المجال البيئي للخطر، سواء في الهواء أو في الأرض أو في الماء بما في ذلك المياه الإقليمية معتبرا هذه الأعمال إرهابية إذا كانت لها علاقة عمدية بمشروع فردي أو جماعي يهدف إلى المس الخطير بالنظام العام بواسطة التخويف أو الترهيب أو العنف.

الفقرة الثانية: الجرائم المرتبطة بالجرائم الأصلية:
جرم المشرع في قانون رقم 03 ـ 03 المتعلق بمكافحة الإرهاب أفعالا واعتبرها أعمالا إرهابية ولو لم تكن لها علاقة عمدية بمشروع فردي أو جماعي تهدف إلى المس الخطير بالنظام العام.
وتتحدد هذه الأفعال فيما يلي:

أولا: الإشادة بالجريمة الإرهابية
حرم وعاقب المشرع الجنائي كل من أشاد بأفعال تكون جريمة إرهابية بواسطة الخطب أو الصياح أو التهديدات المفوه بها في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة المكتوبات أو المطبوعات المبيعة أو الموزعة أو المعروضة للبيع أو المعروضة في الأماكن أو الاجتماعات العمومية أو بواسطة الملصقات المعروضة على أنظار العموم بواسطة مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية والإلكترونية (الفصل 2-218 ق.ج).

ثانيا: تمويل الإرهاب
بالرجوع إلى قانون رقم 03 ـ 03 نجد الفصل 4-218 ينص على تجريم تمويل الإرهاب ومعاقبة كل من يقدم على القيام بذلك حيث جاء فيه :“القيام بأي وسيلة كانت مباشرة أو غير مباشرة، بتقديم أو جمع أو تدبير أموال أو قيم أو ممتلكات بنية استخدامها، أو مع العلم أنها ستستخدم كليا أو جزئيا لارتكاب عمل إرهابي، سواء وقع العمل المذكور أو لم يقع، تقديم مساعدة أو منشورة لهذا الغرض”

ثالثا: إقناع الغير بارتكاب جريمة إرهابية
جرم المشرع إقناع الغير على ارتكاب جريمة إرهابية في الفصل 5-218 ق.ج وعاقب كل من أقنع أو دفع أو حرض على ارتكاب جريمة إرهابية بالعقوبة المقررة لتلك الجريمة، في حين أنه لم يحدد الوسائل المستعملة في الإقناع أو التحريض أو الدفع إلى اقتراف الفعل الإرهابي، وبذلك تبقى للمحكمة كامل التقديرية.

رابعا: عجم التبليغ عن جريمة إرهابية :
جريمة عدم التبليغ عن جريمة إرهابية هي امتناع عن القيام بعمل جرمها المشرع في الفصل 8-218 ق.ج وعاقب كل من كان على علم بمخطط أو أفعال تهدف إلى ارتكاب أعمال معاقب عليها بوصفها جريمة إرهابية ولم يبلغ عنها فورا بمجرد علمه بها الجهات القضائية أو الأمنية أو الإدارية أو العسكرية.

خامسا: جرائم الاتصال:
تنص المادة 115 ق.م.ج المعدل بموجب قانون رقم 03 ـ03 على أنه ” دون الإخلال بالمقتضيات الجنائية الأشد، يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة بالغرامة من 10.000درهم إلى 100.000درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من قام بوضع وسائل مهيأة لإنجاز التقاطات أو التقط أو بدد أو استعمل أو نشر مراسلات بواسطة وسائل الاتصال عن بعد خلافا للمقتضيات المشار إليه أعلاه.
دون الإخلال بالعقوبات الجنائية الأشد تكون العقوبة السجن من خمس إلى عشر سنوات إذا ارتكبت الأفعال المشار إليها في الفقرة الأولى من هذه المادة لغرض إرهابي”.

سادسا : المساعدة على ارتكاب جريمة إرهابية
ينص الفصل 6-218 ق.ج على أن :” بالإضافة إلى حالات المشاركة المنصوص عليها في الفصل129 من هذا القانون يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة، كل شخص يقدم عمدا لمن يرتكب فعلا إرهابيا أو يساهم أو يشارك فيه، أسلحة أ, ذخائر أو أدوات تنفيذ الجريمة، أو مساعدات نقدية أو وسائل تعيش أو تراسل أو نقل أو مكانا للاجتماع أو السكن أو الاختباء، وكل من يعينه على التصرف فيما حصل عليه من عمله الإجرامي، وكل من يقدم له نوع من أنواع المساعدة مع علمه بذلك.
غير أنه يجوز للمحكمة أن تعفي من العقوبة أقارب وأصهار من ارتكب جريمة إرهابية أو ساهم أو شارك فيها إلى غاية الدرجة الرابعة إذا قدموا له مسكنا أو وسائل تعيش شخصية فقط”.

جريمة الضرب والجرح العمديين في القانون الجنائي المغربي

الفصول : 400 و401 و402 و403 و404 و408 و409 و410 و411 من المجموعة الجنائية المغربية.

تعريف:
الضرب أو الجرح هما فعل الاعتداء على جسم الإنسان بأية وسيلة كانت. ويدخلان ضمن مفهوم الإيذاء. لكن ما هو المقصود بفعل الضرب والجرح ؟ وماذا يميزهما عن فعل العنف أو الإيذاء الذي تحدث عنه المشرع ؟.
1- الضرب:
هو كل ضغط أو صفع أو رض أو دفع أو احتكاك بجسم المجني عليه سواء ترك به أثرا (احمرار في الجلد أو تورم أو زرقة أو لم يترك شيئا).
2- الجرح:
وهو كل فعل يترك أثرا بجسم المجني عليه ظاهريا كان أو باطنيا كقطع الأنسجة أو حصول وخز أو تسلخ أو كدم أو حرق أو كسر في العظام.
3- العنف:
هو المساس بالضحية عن طريق استعمال القوة دون ضرب أو جرح.
مثال ذلك: قطع الشعر بالقوة، إمساك الضحية من جسمه أو ملابسه، أو تغيير اتجاه دابته بالقوة، أو قذف الماء على وجهه.
4- الإيذاء:
هو مفهوم عام يشمل كلا من الضرب والجرح والعنف ويدل كل فعل يلحق ضررا بجسم الإنسان أو صحته.

العناصر التكوينية:
لكي يتحقق وجود جريمة الضرب أو الجرح لابد من توافر العنصرين التاليين:

الركن المادي:
ويتمثل في فعل الضرب أو الجرح سواء ترك أثرا على الضحية أو لم يترك شيئا، وسواء أدى إلى عجز عن الأشغال الشخصية أو إلى عاهة دائمة أو موت دون نية إحداثه أو لم يؤد إلى شيء من هذا القبيل.
مثال: لطمة واحدة بالكف، كسر ساق الضحية بالعصا، قطع عضو من أعضاء جسمه بالمدية، رميه بالحجارة أو بأية وسيلة أخرى.

الركن المعنوي:
ويتحقق بانصراف إرادة الفاعل إلى القيام بضرب الغير أو جرحه وهو عالم بالنشاط الذي يصدر عنه.
العقوبة:
يعاقب على الضرب البسيط أو الجرح العادي بعقوبة الحبس من شهر إلى سنة وغرامة من 200 درهم إلى خمسمائة درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط (الفصل 400 الفقرة 1 ).
الظروف المشددة في الضرب والجرح:

تشدد العقوبة تبعا للظروف التالية:
* نتيجة الضرر الحاصل:
− حصول عجز عن الأشغال الشخصية لمدة تزيد عن 20 يوما.
− فقد عضو أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور أو أي عاهة دائمة أخرى.
− حدوث موت الضحية دون نية قتله.
* نتيجة خطورة الفاعل:
− سبق الإصرار.
− أو الترصد.
* نتيجة الوسيلة المستعملة في الفعل:
− استعمال السلاح.
* نتيجة الصفة التي يحملها المجني عليه:
− أحد الأصول.
− طفل عمره أقل من 15 سنة – موظف عمومي (الفصل 267 ).
− أحد الزوجين.
* نتيجة الصفة التي يحملها الفاعل:
− موظف عمومي.
− أصول الطفل.
− أو شخص له سلطة عليه.
− أو مكلف برعايته.
− أحد الزوجين.

إشكالية تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية المغربية أزمة نص قانوني أم تطبيقه؟


سعيد غزالة طالب باحث في القانون العام ماستر تدبير الموارد البشرية والمالية لإدارة الدولة والجماعات الترابية بكلية الحقوق – سلا- جامعة محمد الخامس



مقــــــدمـــــــة:

 عرف النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على مدى خمسة عقود عدة تغييرات استهدفت تكييفه وملاءمته مع التطورات والمستجدات التي تعرفها الإدارة العمومية، غير أنه في خضم النقاش العام الدائر حول تحديث الإدارة، والانتقادات الموجهة لهذه الأخيرة، فإن جانبا هاما من هذه الانتقادات تنصب على النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، حيث أنه ينظر إليه في نظر منتقديه نظام عتيق وجامد ومطبوع بالشكلانية، ولا يساير التطورات الحديثة في مجال تدبير الموارد البشرية، وبالتالي فهو يعرقل التدبير الكلاسيكي للموارد البشرية، ولا يبيح إعمال آليات تدبير الموارد البشرية.
 وعلى هذا الأساس،  كثيرا ما تم اعتبار أن إصلاح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يعد تمهيدا لكل تحديث لتدبير الموارد البشرية، فإلى أي حد يشكل إصلاح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية إطارا حاسما لتطوير تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية؟
ولمحاولة الإجابة على هذا الإشكال سيتم اعتماد التقسيم التالي:
المبحث الأول: إصلاح الإطار القانوني المنظم للموارد البشرية بالوظيفة العمومية المغربية: ضرورة أم خيار؟
المبحث الثاني: أزمة تدبير الموارد البشرية: الأسباب والتجليات.

المبحث الأول: إصلاح الإطار القانوني المنظم للموارد البشرية بالوظيفة العمومية المغربية: ضرورة أم خيار؟
لقد بات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية تطرح حوله مجموعة من التساؤلات إزاء الإنتقادات التي بات يعرفها من قبيل أنه تقادم ولم يعد يواكب تحديث الموارد البشرية بالإدارة العمومية، مما دفع بوزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة مؤخرا إلى الإعلان عن مناظرة وطنية حول " المراجعة الشاملة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية".
 فهل يا ترى تطوير منظومة الموارد البشرية يمر بالضرورة عبر إصلاح هذا النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؟ وما هو حجم وسقف الانتظارات المعلقة  على إصلاحه في علاقته مع تطوير هذه المنظومة؟


المطلب الأول: النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية إطار قانوني عام لتدبير الموارد البشرية
يحدد النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المبادئ والقواعد الأساسية لتدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية من خلال إقراره لنظام المسار المهني كاختيار أساسي للوظيفة العمومية الوطنية، وتأطيره لمختلف مراحل المسار المهني للموظف، بدء من التوظيف مرورا بالترقية والتنقيط، ونظام التأديب وتحديد حقوق وواجبات الموظف، وتأسيسه لمبدأ إشراك هذا الأخير في تدبير شؤونه داخل الإدارة.
إن أخذ النظام الأساسي العام بنظام المسار المهني يجعل من الوظيفة العمومية " مهنة مغلقة" أي نشاطا دائما قارا، يمارس بشكل حصري مقابل أجر، ويفرض التوفر على مؤهلات وكفاءات معينة يتم التأكد منها من خلال اللجوء إلى آليات ومساطر محددة عند التوظيف، ولعل نظام المسار المهني الذي أخذه المشرع المغربي عن القانون الصادر بتاريخ 13 أكتوبر 1946 بشأن النظام الأساسي العام للموظفين بفرنسا، يعد أداة للعقلنة، يتوخى الوصول إلى تحسين مردودية وأداء الموظفين وتحقيق فعالية ونجاعة الوظيفة العمومية[1].

الفرع الأول: النظام الأساسي العام يحدد فقط المبادئ الأساسية لتدبير الموارد البشرية
في نطاق الأخذ بنظام المسار المهني ، فإن النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية يتضمن قواعد عامة، تهدف إلى ضمان إخضاع الموظفين لمبادئ موحدة تضمن مساواتهم وتعطي للوظيفة العمومية وحدتها واستقلاليتها عن السياسي وعن باقي قطاعات وأنظمة التشغيل.
 وكنتيجة لأخذه بنظام المسار المهني، كان لابد أن يحدد النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المبادئ والقواعد العامة التي تؤطر الحياة الإدارية للموظف، من خلال نظام التوظيف الذي يتأسس على آليتي المباراة والتوظيف بناء على المؤهلات، وقواعد التنقيط والترقي التي تعتمد مبدأ الاستحقاق، ووضعيات الموظف، والنظام التأديبي الذي يقوم على قاعدة التوفيق بين تخويل ضمانات للموظف، والحرص على ضمان متطلبات السير العادي والمنتظم للإدارة، فضلا عن القواعد العامة التي تقر إشراك الموظفين في تدبير شؤونها.
وبذلك، فإن النظام الأساسي العام يحدد فقط المبادئ العامة الأساسية  الكبرى لمنظومة الوظيفة العمومية، دون أن يحسم على سبيل التفصيل في القواعد التي تحكم تدبير المسارات الوظيفية للموظفين والنتيجة أن تشكيل الصورة المكتملة لنظام المسار المهني في الإدارة المغربية يرجع لمجموعة متفرقة من النصوص التطبيقية[2].

الفرع الثاني: منظومة الوظيفة العمومية تجد أساسها  في النصوص القانونية والتنظيمية المكملة
رغم أهمية النظام الأساسي للوظيفة العمومية، ورغم خضوعه لجملة من التعديلات التي لم تصل إلى جوهره فإنه اليوم أصبح محط مساءلة حول مدى قدرته على الاستجابة للتحولات التي يشهدها عالم التدبير العمومي بشكل عام، وتدبير الموارد البشرية بشكل خاص[3].
ولئن كان هذا النظام الأساسي العام يشكل العمود الفقري لمنظومة الوظيفة العمومية فإنه يجدر التنبيه إلى أن العديد من النصوص القانونية والتنظيمية تحدد بشكل واسع وتفصيلي هيكلة الأطر وأنظمة التوظيف والتمرين والتنقيط والترقي والوضعيات والرخص وغيرها من الجوانب الأساسية للمسار المهني للموظف.
 فالنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية على مستوى نطاق تطبيقه لا يسري على جميع هيئات الموظفين، بل إنه بموجب الفصل 4 منه لا ينطبق على الموظفين العسكريين والقضاة ومتصرفي وزارة الداخلية كما سبق الذكر، بالإضافة إلى هيئات أخرى لم ترد في الفصل المشار إليه، وهي هيئتي موظفي مجلس النواب والمستشارين وكذا قضاة المحاكم المالية، وتشكل الأنظمة الأساسية الخاصة بهذه الهيئات والتي صدرت إما بموجب ظهير أو قانون أنظمة خصوصية موازية للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، لا تسري عليها أحكام ومقتضيات هذا الأخير  إلا في حالة الإحالة  الصريحة عليه[4].
إن وجود أنظمة أساسية خصوصية وأنظمة أساسية مخالفة يعتبر عنصر مرونة أساسي، باعتباره يسمح بعدم  التطبيق الكلي أو الجزئي  بأحكام النظام الأساسي العام للوظيفة العامة على بعض هيئات الموظفين بالشكل الذي يتلاءم مع التزامات وطبيعة مهام الهيئات المعنية.
 وعلاوة على الأنظمة الأساسية،  تحدد بعض النصوص التنظيمية الصادرة تطبيقا للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية نظام الترقي[5]، ونظام التنقيط والتقييم[6]، ونظام المباريات وامتحانات الكفاءة المهنية[7]، ومنظومة  اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء[8] ووضعية  الموظف المتمرن[9]، وكذا بعض وضعيات الموظف.
إن النظام القانوني الذي يؤطر تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية، سواء من حيث بنيته الأساسية المتمثلة في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية،  أو من حيث النصوص التطبيقية المكملة له، يتوخى في العمق تأسيس وظيفة عمومية موحدة كفأة ومندمجة.

المطلب الثاني: حدود تطوير منظومة تدبير الموارد البشرية: اختلالات مرتبطة بالنسق القانوني
كثيرة هي الاختلالات التي تعتري منظومة تدبير الموارد البشرية والتي لا ترجع ولا تجد مصدرها في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، بل تعود إلى تعقيدات ذات طابع عملي ناتجة إما عن عدم تطوير النصوص التنظيمية المنظمة لآليات تدبير الموارد البشرية أو عن عدم الاجتهاد في تطبيق هذه النصوص أو عن سوء تطبيق بعض الأحكام الواردة في النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

الفرع الأول: النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية: الوضعية الراهنة
يعتبر النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية لسنة 1958، هو أول نص قانوني عمل المغرب على إصداره غداة حصوله على الاستقلال في مجال الوظيفة العمومية، في محاولة منه لتجاوز النواقص التي كانت تعرفها الوظيفة العمومية في عهد الحماية الفرنسية[10]، وأيضا بهدف إيجاد حد أدنى من الترابط بين الوضعيات المختلفة للعناصر البشرية العاملة في مختلف الإدارات العمومية.
 لقد أصبح اليوم واقع الإدارة العمومية المغربية  يكشف عن وجود عدة ثغرات واختلالات تتعارض مع مفاهيم التدبير الحديث لموارده البشرية بصفة عامة، وفلسفة تقييم الأداء بصفة خاصة، ويعود السبب في ذلك إلى تقادم مضامين النظام الأساسي للوظيفة العمومية، وحيث أن النص القانوني هو نتاج ظروف خاصة به، فإن النص الأساسي للوظيفة العمومية أصبح في حكم متقادم، وبذلك فهو يضع الموظف في وضعية متجاوزة تتنافى مع متطلبات تحديث منظومة تدبير الموارد البشرية بصفة عامة[11].
 فمن المؤكد أن الكثير من مساوئ تدبير الموارد البشرية بالإدارة ترجع إلى الإنحرافات التي تعرفها تطبيقات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، ويمكن في هذا الإطار الإستناد إلى عدد من المعطيات والمؤشرات ذات الصلة سنقتصر فيها على تطبيقات بعض الآليات الأساسية لتدبير الموارد البشرية كما هو الشأن بالنسبة للتوظيف والترسيم والتنقيط والتقييم والترقية في الدرجة.
أولا: فعلى مستوى التوظيف، يحدد النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في الفصل 22 منه آليتين أساسيتين للتوظيف بصفة نظامية هي المباراة والتوظيف بناءا على الشهادات[12]، غير أن الإدارات العمومية قد تجاوزت التوظيف النظامي ولجأت إلى نظام توظيف مواز يخرج تماما عن إطار النظام الأساسي العام، من خلال تشغيل الأعوان المتعاقدين بموجب عقود والأعوان المؤقتين بواسطة رسالة إلتزام.
 وقد ترتب عن الاستعمال المزدوج لمساطر التوظيف النظامية ومساطر توظيف الأعوان غير الرسميين، وظيفة عمومية ثنائية، الأولى نظامية والأخرى ذات طابع استثنائي، مما أفضى إلى تعقيد إجراءات تدبير الموارد البشرية، وإفراز مصاعب مختلفة ترتبط بترسيم الأعوان المؤقتين وإدماج الأعوان المتعاقدين في الأطر النظامية.
 وبالنظر للصعوبات التي تواكب تدبير الوضعيات الناتجة عن التوظيفات غير النظامية، فإن الإدارة قد أتقلت كاهلها بكتلة من الأعوان المؤقتين والمتعاقدين، هي في غير حاجة ماسة إليهم دائما، ولكنها مرغمة على الاستمرار في تدبير شؤونهم لأسباب واعتبارات اجتماعية[13]، وسنرجع للحديث عن اختلالات  منظومة التوظيف في إحدى المحاور الآتية بشكل مفصل أكثر.
ثانيا: بالنسبة للتنقيط وتقييم الموظفين،  فبالرغم من كون النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية قد اختص بتحديد بعض القواعد العامة لتنقيط وتقييم الموظفين وترك بالتالي المجال واسعا من أجل وضع نظام فعال للتنقيط والتقييم يتناسب ومتطلبات التدبير الحديث للموارد البشرية، فإن الإدارة العمومية عانت لعدة عقود من غياب منظومة فعالة لتقييم الأداء.
 وكان يجب انتظار نهاية سنة 2005 من أجل تأسيس نظام للتنقيط والتقييم بل بموجب المرسوم رقم 2.05.1367 بتاريخ 2 دجنبر2005 بتحديد مسطرة التنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية الذي أرسى أسس جديدة لنظام التنقيط، وأدخل مفهوم التقييم في منظومة تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية.
وإذا كان أسلوب تقييم الأداء في ظل المقاربة الجديدة يقوم على تقدير وقياس مدى فعالية ومردودية الموظف في عمله، فإن هذه المردودية ليست رهينة فقط بكفاءة الموظف والمجهود الذي يبذله، بل ترتبط بظروف العمل ومدى توفر الوسائل الضرورية[14]، لذا حتى وإن كانت إيجابيات هذا النظام واضحة وجلية على مستوى المبادئ التي ارتكز عليها والأهداف والغايات التي ينطوي عليها، فإن تطبيقه على المستوى العملي، لا يبدو أنه يساير هذه المبادئ والأهداف، لاسيما في الجانب المتعلق بالتقييم، بل يمكن القول أنه بعد تطبيقه لا زال التعامل مع النظام الجديد للتنقيط والتقييم،  وفق نفس الشكليات وبنفس الممارسات والعقليات التي ترسخت في إطار النظام السابق ولا أدل على ذلك، من المطالبات العديدة هنا وهناك بمراجعة هذا النظام[15]، وسنحاول التفصيل  أكثر  في هذا الأمر ضمن الفقرات الموالية.
 إن الحديث عن اختلالات النظام الأساسي للوظيفة العمومية ذو شجون والوقوف على أغلبها ليس من الإطناب لأن إصلاح هذا النظام أصبح مطلبا ملحا يفرض نفسه بقوة، فهذا الوضع لا يخدم في شيء منظومة تدبير الموارد البشرية بصفة عامة وعملية التقييم بصفة خاصة،لاعتبارها بمثابة مراجعة أو متابعة لبقية سياسات تدبير العنصر البشري[16]. فما هي إذن رهانات إصلاح هذا النظام في ظل المراجعة الشاملة التي أطلقتها وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة في شكل حوار وطني؟

الفرع الثاني: النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية: آفاق الإصلاح
لقد أصبح المحيط السياسي والاقتصادي والاجتماعي للوظيفة يعرف تحولات عميقة ومتسارعة يفرض عليها تطورا ملائما ومتناسقا في التنظيم والإعداد والأداء والاقتصاد. ومن جهة أخرى، هناك ضغط قوي يمارس اليوم لفائدة تغيير الإدارة، هذا الضغط  الذي يفسر بشكل  مزدوج، فهو يترجم إتساع الاختلالات التي تعاني منها الإدارة ، كما يزكي هذا الرأي ويشاطره الجميع بشكل واسع والقائل بأن الإصلاحات الإدارية العميقة والشاملة ستكون لها انعكاسات إيجابية على متابعة مسلسل التحديث الجاري. لذا يتعين  على الوظيفة العمومية أن تضع لنفسها أهدافا جديدة تساير الأهداف التي تتوخاها الحركة التحديثية الواسعة.
 ولن يتأتى ذلك إلا باعتماد تدبير  حديث للموارد البشرية مسنود بالكفاءة والمهنية، يرتقي بالوظيفة العمومية إلى منظومة تطبعها روح المسؤولية والمواطنة والنزاهة والحياد[17].
ولعل من بين بوادر الإصلاح الجديد لنظام الوظيفة العمومية هو تنظيم المناظرة الوطنية حول المراجعة الشاملة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية من قبل وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة التي يرتقب منها أن تكون قاطرة تحول وتغيير في تاريخ وعمر هذا النظام الأساسي.
ينخرط في هذه المناظرة مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية وكذا المركزيات النقابية الأكثر تمثيلية، إضافة إلى باحثين وخبراء وطنيين ودوليين، وذلك بهدف توسيع التشاور والتنسيق مع مختلف الفاعلين من أجل بلورة رؤية شمولية وصياغة أرضية مرجعية حول مضمون مراجعة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، بما ينسجم  والتوجهات الجديدة التي رسخها الدستور الجديد.
 وهذا ما أكده السيد عبد العظيم كروج، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، في كلمة ألقاها في اليوم الافتتاحي لهذه المناظرة، على الأهمية التي يكتسبها  موضوع هذه المناظرة في الوقت الراهن وعلى الاهتمام الذي يستأثر به، وأوضح أن المبادرة الإصلاحية، هي الأولى في تاريخ الوظيفة العمومية ببلادنا.
 ومن بين أهداف هذا الإصلاح:
توحيد مختلف الجهود المبذولة لتأهيل الإدارة العمومية.
إرساء دعائم إدارة مواطنة وفعالة ومنفتحة وشفافة، مواكبة لتطور محيطها وقريبة من المرتفقين، بما يكفل خدمة المواطن والمقاولة وتلبية حاجيات التنمية المستدامة.
إعادة تكييف منظومة الوظيفة العمومية مع تطورات ومناهج التدبير العمومي الحديث، نظرا لما تتيحه هذه المناهج من إمكانيات هائلة بإرساء دعائم وظيفة عمومية فعالة وناجعة، تتجاوز التسيير التقليدي للموظفين، وتتبنى التدبير الحديث للرأس المال البشري، بما يمكن لتأسيس وظيفة عمومية حديثة ومتطورة قادرة على كسب الرهانات الكبرى[18].
ومن  المعلوم أن الإستراتيجية الوطنية لتحديث الإدارة قد جعلت من رأس المال البشري محورا أساسيا يستوجب العمل على تثمينه من خلال مراجعة الإطار المؤسساتي وتحديث البعد التدبيري، بما يضمن الارتقاء بالإدارة المغربية إلى المستوى المنشود، فما هي أهم مقترحات هذه الإستراتيجية الوطنية للإصلاح؟

على المستوى القانوني:
إعادة النظر في الإطار القانوني المنظم للعلاقات بين مختلف المتدخلين العموميين في مجال تدبير الموارد البشرية من مديريات مكلفة بتدبير الموارد البشرية بالقطاعات الوزارية، وزارة الاقتصاد والمالية، الصندوق المغربي للتقاعد، وزارة الصحة وغيرها...
وضع منظومة قانونية للوظيفة العمومية على ضوء تجارب مختلف الإدارات العمومية في تطبيق النظام العام الأساسي للوظيفة العمومية خلال أكثر من 50 سنة.
تجاوز الصعوبات المرتبطة بتأويل بعض النصوص القانونية أثناء معالجة  الوضعيات الإدارية من خلال وضع مبادئ موحدة لكل مجال من مجالات الوظيفة العمومية)التوظيف الترسيم، الترقية، المباريات والامتحانات، اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء... (.
ضمان المرونة الكافية في تطبيق النصوص القانونية المرتبطة بالوظيفة العمومية، من خلال تجميعها وتقليص الكم الهائل من هذه النصوص[19].
تكريس مبدأي تكافؤ الفرص والاستحقاق في الترقية من خلال اعتماد منظومة تقييم  حديثة مثمنة للكفاءات والمردودية والإنجاز وتقطع مع المنظومة الحالية المزدوجة القائمة في نفس الوقت على التنقيط والتقييم.
تضمين القانون مقتضيات متكاملة بخصوص منظومة الأجور من أجل إرساء قواعد واضحة تضمن:
- الشفافية عبر الإلتزام بنشر كل النصوص المتعلقة بالأجور والتعويضات؛ - الإنصاف والاستحقاق.[20]
على المستوى التدبيري:
العمل على انتقاء أطر كفأة ومتخصصة في التوظيفات الجديدة:
تحسيس المسؤولين والموظفين بأهمية الخدمة العمومية، وضمان الشفافية وتكافؤ  الفرص بين جميع المواطنين لولوج خدمات الإدارة[21].
تنمية مهارات  المسؤولين عن تدبير الموارد البشرية.
التأسيس لتأهيل متخصص في تدبير الموارد البشرية[22].
تبسيط وعقلنة تنظيم المباريات لاسيما من خلال تنظيم مباريات مشتركة بين الإدارات العمومية.
ضمان مهنية المباريات من خلال استعمال الدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات في تحديد  حاجيات الإدارة ومواضيع الاختبارات وتثمين الخبرة المهنية للمترشحين.
رسم مسارات مهنية تضمن تطورا مهنيا متواصلا للموظف، وتمكن مدبر الموارد البشرية من ضمان انسجام وفعالية هذا التطور من خلال:
وضع مسارات مهنية نموذجية.
استثمار التكوين المستمر في تطور المسار المهني.
ضرورة  دعم الوحدات المكلفة بتدبير الموارد البشرية من خلال توفير الكفاءات المتخصصة في مختلف المجالات ذات الصلة بمهنة تدبير الموارد  البشرية، باعتبارها المدخل الرئيسي للارتقاء بالإدارة المغربية إلى المستوى المنشود، إدارة تعتمد المناهج الحديثة في التدبير، خاصة أسلوب التخطيط والتدبير التوقعي والدلائل المرجعية للوظائف والكفاءات.
مأسسة شبكة مديرية الموارد البشرية[23].
يبقى إذن رفع هذه التحديات مهمة صعبة، لكن ليست بمستحيلة، فقط تتطلب:
إرادة سياسية قوية.
انخراط قوي للفاعلين في  مجال الوظيفة العمومية.
قيادة الإصلاحات وفق رؤية مندمجة وتشاركية[24].
ورغم كل هذا تبقى بوادر أزمة الإصلاح مفتوحة على كل الأبواب، ويظهر ذلك من خلال بيان الاتحاد النقابي للموظفين المنضوي تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، الذي  ندد في بيان له بمخطط الحكومة المتعلق بالمراجعة الشاملة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، معربا عن رفضه له على اعتبار أنه مفروض من طرف المؤسسات النقدية الدولية والرامي إلى خوصصة قطاع الوظيفة العمومية، حسب تعبير البيان النقابي، معتبرا أن ما اصطلح عليه ب"مهننة" قطاع الوظيفة العمومية ما هو إلا تكريس للهشاشة وضرب لاستقرار المشتغلين بقطاعات الوظيفة العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية، من خلال توسيع دائرة العمل بالعقدة، مشددا على أن القرارات الحكومية انفرادية ومتخذة خارج طاولة المفاوضات، ومنها حسب الاتحاد مشاريع المراسيم التطبيقية لبعض فصول النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية[25].
 ولعل ما يؤكد رؤية الاتحاد النقابي للموظفين على أن الحكومة متجهة نحو خوصصة قطاع الوظيفة العمومية من خلال توسيع دائرة العمل بالعقدة مستوحى من بعض المداخلات التي جاءت في المناظرة الوطنية حول المراجعة الشاملة للنظام الأساسي للوظيفة العمومية. نذكر منها على سبيل المثال لبعض المقترحات:
اعتماد نظام جديد للتوظيف عن طريق مسطرة التعاقد لتمكين الإدارات الاستفادة من بعض الكفاءات الضرورية لتنفيذ بعض المشاريع[26].
فتح إمكانية التشغيل بموجب عقد من طرف الإدارات العمومية،  لاستقطاب الكفاءات في التخصصات الناذرة[27].
في نهاية المطاف، فإنه لا يمكن  الربط بشكل آلي وأوتوماتيكي بين واقع تدبير الموارد البشرية وبين النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، إذ أنه فضلا عن كون النظام الأساسي يحدد فقط المبادئ  العامة،  فإن مساوئ  تدبير الموارد البشرية ترجع في جانب كبير منها إلى طبيعة الممارسات السائدة؛ بالإدارة، ولا تعود إلى أحكام النظام الأساسي العامة للوظيفة العمومية.
 فقد ساهمت التطبيقات المنحرفة لأحكام النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية في ترسيخ فهم خاطئ لأحكامه، وفي إرساء وتشبث تقاليد وممارسات غير سليمة في التعامل مع تدبير الموارد البشرية، وهو ما رسخ في نهاية المطاف مفاهيم وتصورات حول تدبير الموارد البشرية، تتناقض في الجوهر مع المبادئ الأساسية والمرجعية التي يتضمنها النظام الأساسي العام.
 وانطلاقا من ذلك، وخلافا لبعض الأفكار السائدة، فإن النظام الأساسي العام لا يشكل عائقا أمام تحديث تدبير الموارد البشرية، بل إنه  يمكن القول أن هذا التحديث ممكن بفضل هذا النظام، وأنه يتعين البحث من أجل تطوير منظومة تدبير الموارد البشرية، في جانب وإطارات أخرى، وفي هذا السياق، فإن إرساء منظومة دينامية لتدبير الموارد البشرية، يتطلب تكريس تدبير الموارد البشرية كمحور استراتيجي للعمل داخل الإدارة، فالإدارة يجب أن تعترف أن مهنة تدبير الموارد  البشرية تشكل وظيفة لوحدها، فهي تتطلب كفاءات ومؤهلات خاصة، مما يقتضي جعلها انشغالا أساسيا للمسؤولين.
 إن الدعوات المتكررة إلى ضرورة الإصلاح الشمولي للنظام الأساسي العام  للوظيفة العمومية  لمجرد أنه يعود إلى خمسة عقود خلت، هو حديث عن ضرورة تحديث شكلي وتقني للنظام الأساسي، ولا يعني بالضرورة تغيير جذري في المبادئ التي يتأسس عليها، وقد لا يفضي بالتالي إلى المساهمة في تطوير منظومة تدبير الموارد البشرية.
إن هذه المساهمة ليست دعوة إلى إبقاء النظام الأساسي العام جامدا، بحيث أمكن القول أن إعادة النظر فيه قد لا يكون البوابة الحاسمة لتغيير واقع تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية[28].
 لذا يبقى سؤال، تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية المغربية: أزمة نص أم تطبيق؟  مفتوحا

المبحث الثاني: أزمة تدبير الموارد البشرية: الأسباب والتجليات
بالرغم من الإرتقاء بمصالح تسيير شؤون الموظفين  إلى مستوى مديريات لتدبير الموارد البشرية، ومرد ذلك بالأساس إلى غياب رؤية إستراتيجية في هذا المجال، ومن أهم محددات أزمة تدبير الموارد البشرية هناك ظاهرة التضخم الوظيفي، وعدم تحديد المهام بشكل دقيق، وخرق قاعدة الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة، وكذا غياب مرجعية واضحة المعالم في مجال معرفة حجم ونوعية الكفاءات والمؤهلات المتوفرة للموارد البشرية[29] .

المطلب الأول: عدم شفافية منظومة التوظيف:
 إن  ما تتخبط  فيه الإدارة المغربية اليوم من مشاكل، تتعلق بالتضخم الوظيفي، وعدم تحديد  دقيق للمهام، وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، إنما يرجع إلى غياب مرحلة  تنمية الموارد البشرية، وهي التخطيط، فعدم التحليل الدقيق للوظيفة أدى إلى عدم وضوح اختصاصات ومهام كل وظيفة، مما يؤدي إلى تداخل الاختصاصات كما أن عدم توصيف الوظيفة خاصة في الجانب المتعلق بالمؤهلات المتطلبة لشغل كل وظيفة أدى إلى عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، كما أن عدم تقدير الاحتياجات من القوى البشرية أدى إلى  تكدس الموظفين داخل المكتب الواحد.

الفرع الأول: التضخم الوظيفي وخرق قاعدة الشخص المناسب للوظيفة المناسبة
 تعد ظاهرة التضخم الوظيفي أهم انعكاسات غياب التخطيط الذي فرضته عدة عوامل تاريخية واجتماعية وسيكولوجية داخل الواقع المغربي وقد كان لهذه الظاهرة انعكاسات سلبية على تدبير الموارد البشرية داخل الإدارة المغربية.
 يعتبر التضخم الوظيفي تعبير إداري حديث لا يرتبط بالضرورة بقواعد التضخم النقدي المعروف في المجال الاقتصادي، ذلك أنه يعني وجود فائض من الاحتياجات الفعلية للعمل الإداري، ويعرفه الدكتور عبد الحميد  بهجت بأنه: "زيادة من عدد الموظفين بنسبة تفوق الزيادة في حجم ونوع الموظفين الذين ينفذون الأعمال المرتبطة بتقديم الخدمات"[30]. فإذا كان التضخم الوظيفي هو أهم انعكاسات عدم التخطيط،  فإن ذلك قد نتج بسبب مجموعة من العوامل نذكر منها:
إن الدولة في المغرب، شأنها في ذلك شان أغلبية دول العالم الثالث، هي المسؤولة عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالوظيفة العمومية كانت وما تزال تعتبر مصدرا من مصادر التغطية الاجتماعية حيث إن الغاية الأساسية والهدف من وراء إحداث الوظائف وشغلها بالموظفين يعود إلى النظرة الاجتماعية فيما يخص العمل العمومي فبالإضافة إلى كونه يضمن المكانة الاجتماعية المحترمة والمقبولة من طرف الرأي العام، فإن الوظيفة العمومية تعتبر الضمانة الكبرى التي توفر الاستقرار للفرد إضافة إلى أنها قد تكون مصدرا للثراء والحظوة الاجتماعية في بضع الحالات الخاصة بالوظائف العليا مثلا[31] .
كما أن عدم الأخذ من طرف القيادات الإدارية بقواعد التخطيط للموارد البشرية، يجعل انتقائها واختيارها للموظفين  يثير في كثير من الحالات، على أسس شخصية محضة، وأن العديد من الوظائف يتم إحداثها فقط لأغراض الترقية بالأساس وليس لأعمال محددة تفرضها ضرورات العمل.
إن نقص المستويات وضعف المردودية الناتج عن غياب التخطيط الإداري والتحديد الدقيق للمهام وما يترتب عنه من انعكاسات سلبية، ولمواجهة هذا المشكل فإن ما يقوم به المسؤولون داخل الإدارات المغربية هو التفكير في إكثار عدد الموظفين دون التفكير في الحفاظ على التوازن الوظيفي من حيث الاحتياجات الفعلية لمتطلبات العمل الإداري[32].
هذه هي أهم العوامل التي أدت بالدولة إلى عدم الأخذ بمبدأ  تخطيط الموارد البشرية مما نتج عنه تضخم عدد الموظفين ، ومن هنا تبرز ضرورة إعادة النظر من طرف المسؤولين الإداريين في تخطيط مواردهم البشرية، خاصة إذا نظرنا إلى انعكاسات عدم التخطيط على أداء الجهاز الإداري.
 فظاهرة عدم وضع الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة، والتي انتشرت في إدارتنا بسبب سياسة التوظيف المتبعة في بلادنا، وبسبب انعدام التخطيط تقلل من عطاء الموظفين وإهدار طاقاتهم وسوء استغلال معارفهم الفنية في مجالات العمل الملائم، ذلك أن العديد من الموظفين يعملون في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم مما يسبب لهم وللإدارة مشكلات  عويصة[33].  هكذا فغياب إستراتيجية للتخطيط وتحديد دقيق لمهام كل موظف، يقود إلى بقاء عدد من الموظفين داخل الإدارة العمومية يتبادلون أطراف الحديث، مما قد ينتج عنه التسيب وتعطيل مصالح الإدارة في غياب رقابة صارمة على أداء الموظفين، مما يؤدي إلى الغياب عن العمل، والتـأخير أو الخروج قبل الوقت المحدد.

الفرع الثاني: طغيان التدبير الكلاسيكي للموارد البشرية
إن عدم الاستخدام الأمثل للموارد البشرية المتاحة قد أدى إلى بروز عوائق إدارية تتطلب المراجعة والتطوير في وسائل استخدام العناصر البشرية في كل جهاز إداري،[34] وإذا كان التضخم في عدد الموظفين هو نتاج عدم تحديد الاحتياجات العددية للموارد البشرية، فإن التضخم في عدد الوظائف وعدم تحديدها بدقة هو نتاج عدم  تحليل وتوصيف الوظائف، وما يترتب على ذلك من تداخل الاختصاصات الإدارية  وازدواجية المهام، وخرق قاعدة "وضع الشخص المناسب في المكان المناسب". وكلها تجليات بارزة للتدبير الكلاسيكي للموارد البشرية.
 ولا بأس من إعطاء صورة موجزة عن هذه المعطيات:
عدم تحديد المهام وتداخل الاختصاصات: لعل هذا ما نلاحظه داخل الإدارات العمومية المغربية، والذي ينعكس سلبا على علاقة الإدارة بالمواطن أو المرتفق الذي يكون مجبرا في كل وقت يدخل في علاقة مع الإدارة، على التنقل بين عدة  مكاتب للبحث عن الموظف المسؤول مما يدفعه في بعض الأحيان وبسبب كثرة التنقلات بين هذا الموظف أو ذاك أن يسمح في حقه، إذا علمنا أن أغلب إداراتنا يغلب عليها طابع غياب تحديد التدقيق لأسماء المكاتب والمصالح والتي بإمكانها أن ترشد المرتفق إلى المكتب الذي يرغب فيه[35]، ولعل هذا الأمر بدأ يظهر على مستوى الإدارات المركزية.
خرق قاعدة" وضع الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة":
تعزى ظاهرة عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب إلى طريقة التوظيف، عندما كان التوظيف المباشر قاعدة لإمداد الإدارة بالأطر، كما كان لها حرية اختيار موظفيها، ونتج عن ذلك نتائج مؤسفة تحكمت المحسوبية)السياسية والاجتماعية( في اختيار من يتقلدون المناصب الإدارية والمختلفة[36].
 ومن هنا تظهر أهمية تخطيط الموارد البشرية التي تقوم على تحديد الأشخاص الذين يتولون وظائف محددة، والشروط المطلوبة منهم ومؤهلاتهم، فإن انعدام التخطيط داخل الإدارة المغربية يؤدي إلى خرق قاعدة" الشخص المناسب في الوظيفة المناسبة".
إن انعدام تحليل وتوصيف دقيق للوظائف يؤدي إلى وضعية تكون فيها متطلبات المنصب أو الوظيفة أعلى من مؤهلات الشخص المعين فيها.
وتظهر عدم الكفاءة هذه كلما ارتفع مستوى أو سلم المسؤوليات ، ويمكن أن نتصور انعكاسات أو نتائج هذه الوضعية، والذي ينبغي أن يتحمل المسؤولية هنا ليس الموظف "غير المؤهل" وإنما تتحملها إدارة الموارد البشرية التي عينته في هذا  المنصب[37].

المطلب الثاني: تجليات سوء تدبير الموارد البشرية
إن إشكالية أزمة تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية تتميز بتعدد وتنوع أسبابها وتجلياتها، سواء منها المتعلق بإعداد الإطارات المرجعية لتدبير الموارد البشرية أو تلك المتعلقة بتتبع المسار الوظيفي)التوظيف، الترقية، التكوين، الحركية،  التقاعد...( .
 كما أن الوضع العملي لتدبير الموارد البشرية أبان عن غياب تصميم مديري لمنظومة الموارد البشرية، زيادة على غياب إعلامي لتدبيرها،[38] حيث لا يستطيع أصحاب القرار الحصول على المعطيات الملائمة التي من شأنها أن تسمح لهم بتقييم التدبير وبوضع مخطط إصلاحي يأخذ بعين الاعتبار الحقائق الواقعية ومتطلبات الأطراف المعنيين، ولا بأس من إعطاء نظرة موجزة عن أهم تجليات أزمة التدبير الإداري لمنظومة الموارد البشرية خاصة تلك المتعلقة بإشكالية محدودية الإطارات المرجعية لنظامي توصيف وتحليل الوظائف، وكذا غياب التصميم المديري لمنظومة الموارد البشرية.

الفرع الأول: غياب إطار مرجعي لتوصيف وتحليل الوظائف
تفتقر الإدارات العمومية إلى دليل مرجعي للوظائف والكفاءات باستثناء بعض القطاعات الإدارية التي قطعت أشواطا هامة في هذا الميدان، خاصة قطاع التجهيز والمالية. حيث انتهت هذه القطاعات العمومية من إعداد الدلائل المرجعية للوظائف، في حين لا تزال بعض القطاعات لم تنتهي  بعد من إعداد هذه الدلائل كوزارة العدل والحريات، التي بدأت الاشتغال عليها منذ 2005 ولا تزال إلى يومنا هذا[39]، لكن يبقى العمل بهذه الدلائل تعرقله عدة صعوبات تتعلق بإنجاز المساطر، وبروتوكول التواصل.
إن غياب هذه الآلية التدبيرية لا يسمح بضمان الإنتقال من تدبير إداري محض  للموظفين  نحو تدبير توقعي ونوعي للموارد البشرية، ولقد ترتب عن هذه الممارسة العديد من المشاكل  في مجال التدبير العشوائي للكفاءات  والمؤهلات، يمكن رصدها فيما يلي:
غياب التحليل التوقعي للمؤهلات وعدم تحديد حاجيات التوظيف بناء على توصيف دقيق للوظائف ومناصب الشغل، إضافة إلى ضعف آليات التوظيف وعدم الإلمام بالتقنيات الخاصة بدراسة الملف والمقابلات والاختيار الانتقائي.
غياب منهجية لضبط مواطن الضعف والقصور لدى الموظف.[40]
 إن ضعف التصور الاستراتيجي في مجال الموارد البشرية وكيفية استثمارها انعكس بشكل سلبي على التنمية، وبغض النظر عن الأوضاع والقوانين التي تحكم الموظفين، فإن اعتماد إطار مرجعي شمولي من شأنه أن يحدد المبادئ والتوجهات المتجددة التي تمكن من الإنتقال من منطق التسيير القانوني الصرف لشؤون الموظفين إلى منطق التدبير الحديث الموارد البشرية[41].
إن غياب مثل هذه المنظومة من شأنه أن يؤدي إلى التدبير العشوائي لهذه الموارد البشرية، حيث أن غياب التناسب ما بين مؤهلات العنصر البشري  والمهام الواجب ممارستها، يؤدي لا محالة إلى إهدار الكفاءات والمؤهلاتRépertoire des compétence، وقد تم العمل به أول مرة من طرف وزارة المالية والتجهيز في انتظار تعميمه، وما زالت المجهودات لم ترق إلى المستويات المطلوبة من طرف الإدارات في اعتماد هذا المنهج العلمي، ومرد ذلك بالدرجة الأولى إلى أن إدارة الموارد البشرية لم تنتقل بعد من منطق التدبير الكلاسيكي نحو تدبير نوعي واستشرافي للموارد البشرية.
 إن أغلب الإدارات لم تقم بإعداد دلائل كافية توضع رهن إشارة مسؤولي إدارة الموارد البشرية تحدد القواعد والضوابط التي من شأنها عقلنة تدبير موظفي الدولة وتطوير مسارهم المهني من حيث التوظيف والتكوين والحركية والترقية والتقييم.[42]
وعلى العموم، فإن ضعف وشبه غياب لهذا الإطار المرجعي مرده  إلى:
غياب رؤية مشتركة بين الوزارات في إعداد هذا المشروع.
غياب الخبراء المختصين في إعداد هذا النظام[43].
ضعف التنسيق بين مجموعة من الخبراء المختصين في هذا الميدان.
عدم توفير الموارد اللازمة لإنجاح نظام تصنيف الوظائف.
 أما من الناحية العملية،  نلاحظ أن الإدارات العمومية نادرا ما يتم إشراك موظفيها في إعداد هذه الدلائل، الأمر الذي يترتب عنه إحساس بالإحباط، فلا يقدمون المعلومات اللازمة للجن المختصة بإعداد هذا الإطار[44].

الفرع الثاني: غياب التصميم المديري لمنظومة الموارد البشرية
يعاب على نظام تدبير الموارد البشرية بالإدارة المغربية أنه لا يساير الإكراهات والحاجيات الجديدة لتدبير الشأن العام، ولا يستجيب لطموحات الموظفين في تنظيم مسارهم الوظيفي بشكل أفضل وأمثل.
 وبالرغم من الإرتقاء بمصالح تسيير شؤون الموظفين إلى مستوى مديريات لتدبير الموارد البشرية، فإن غياب تصميم مديري على الصعيد الوطني يحد من التوجهات العامة لتدبير الموارد البشرية.
لذا بات من الضروري إجراء دراسة ميدانية بواسطة إحداث بنك للمعطيات حول تطور عدد الموارد البشرية بمختلف الإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية وتتضمن الدراسة جملة من العناصر يمكن إجمالها فيما يلي:
التوجهات العامة للتصميم المديري والخاص بكل قطاع وبكل الوظائف المختلفة.
التحديد الدقيق لمختلف المهن المزاولة من طرق الموظفين )تقنية، تدبيرية، إشرافية تنظيمية، تأطيرية، تنسيقية، الخ(.
تجميع وتحميل وتصنيف المعطيات الأساسية لإنجاز التصميم.
وضع برنامج متكامل بتنسيق  تام مع ممثلي اللجنة المعنية بهذا البرنامج[45].
كما أن التصميم المديري يقتضي إتباع مقاربة منهجية متكاملة لهذا الغرض، لذا يجب على مديريات الموارد البشرية بمختلف القطاعات الإدارية توفير المعطيات اللازمة لإعداده وتتضمن ما يلي:
التفكير والتخطيط لتطوير المهن.
تطوير وتحسين نظام المباريات.
إعداد إطار مرجعي للمؤهلات والكفاءات.
رصد المعطيات والبيانات اللازمة حول تدبير الموارد البشرية.
طبيعة مناهج تقييم أداء الموظفين.
مسار حركية وانتشار الموظفين[46].
لكن في الواقع العملي نجد أن مديريات الموارد البشرية تفتقر إلى جهاز حقيقي وفعال في إعادة التأهيل، ولتجاوز هذه الوضعية لابد من تطوير جهاز حقيقي للإعلام بشأن الموارد البشرية، وتوحيد مناهج وأساليب تسيير الموظفين، وخلق مرصد وطني للمهن والكفاءات في الوظيفة العمومية.  ومن أجل ربح رهان التدبير التوقعي للموارد البشرية بات من اللازم اعتماد سياسة اللاتمركز في مجال تدبير الموارد البشرية، وهذا أمر يتطلب اعتماد مهنية أكبر في هذا المجال وإعداد منظومة للتواصل[47].
إن التواصل المديري للموارد البشرية بات أساسيا بحجم الرهانات الكبرى والخيارات الإستراتيجية لتأهيل العنصر البشري بالإدارة العمومية  ولمواجهة التحديات التي تفرضها إكراهات الظرفية الاقتصادية والاجتماعية.
  وبالرغم مما بذلته الإدارة من جهود في تدبير الموارد البشرية، حيث لا يستطيع أحد أن ينكر مدى أهميتها في تفعيل النشاط الاقتصادي والاجتماعي، إلا أن الدراسات والأبحاث الإدارية أبانت عن عدة اختلالات ونقائص تطال الجهاز المكلف بتدبير المنظومة البشرية وتعزى بالأساس  إلى:
غياب رؤية موحدة ومشتركة لبرنامج إعداد هذا التصميم.
ضعف تنسيق الوزارات.
التمركز المفرط للمصالح والسلطات وضعف الإمكانيات.
عدم انسجام بعض مقتضيات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.
عدم تطور أساليب الموارد البشرية.
غياب التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية[48].

خـــــــــاتمـــــــــــة:
عموما خلافا لما يروج من أفكار وأطروحات فإن النظام الأساسي للوظيفة العمومية  لا يقف حجرة عثرة أمام تحديث تدبير الموارد البشرية، بل إنه يمكن القول أن هذا التحديث ممكن بفضل هذا النظام الأساسي العام، وأنه يتعين البحث من أجل تطوير منظومة الموارد البشرية في جوانب وإطارات أخرى، وذلك من خلال تكريس تدبير الموارد البشرية كمحور أساسي واستراتيجي للعمل داخل الإدارة، فهذه الأخيرة يجب أن تعترف بشكل أولي بأن مهنة تدبير الموارد البشرية تشكل لوحدها وظيفة، فهي تتطلب كفاءات ومؤهلات خاصة .
كما أن الدعوة لإصلاح النظام الاساسي لاعتباره فقط يعود إلى خمسة عقود ، يبقى حديث عن إصلاح شكلي و تقني ،ولا يعني بالضرورة تغيير جذري في المبادئ المؤسسة للنظام الأساسي، وقد لا يفضي بالتالي إلى تطوير منظومة تدبير الموارد البشرية بالإدارة العمومية.

الهوامش
[1] -  عبد الخالق علاوي" إصلاح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية وتطوير منظومة تدبير الموارد البشرية، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 93 يوليوز- غشت 2010، ص 102.
[2] - عبد الخالق علاوي، نفس المرجع السابق، ص 103.
[3] - صوفية فرادي:"إصلاح نظام تقييم أداء الموظفين العموميين بالمغرب" بحث لنيل شهادة الماستر ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بسلا السنة الجامعية، 2007/2008، ص51.
[4] -  عبد الخالق علاوي، مرجع سابق ص 103.
[5] - المرسوم رقم 2.04.1403، بتاريخ 2 دجنبر 2005 بتحديد شروط ترقي موظفي الدولة في الدرجة والإطار ج ر 5394 بتاريخ 9 دجنبر 2006 والمرسوم الملكي ،  رقم68 بتاريخ 17 ماي 1968، بتحديد مسطرة التنقيط وترقي موظفي الدولة في الرتبة والدرجة ج ر،  عدد 289 بتاريخ 22 ماي 1968.
[6] - المرسوم رقم 2.05.1367 بتحديد  مسطرة تنقيط وتقييم موظفي الإدارات العمومية ج.ر، عدد 5397، بتاريخ 19 دجنبر 2005.
[7] - المرسوم الملكي رقم 401.67 بتاريخ 22 يونيو 1967 بسن نظام عام للمباريات  والامتحانات الخاصة بولوج أسلاك ودرجات ومناصب الإدارات العمومية، ج ر عدد 2852 بتاريخ 22 يوليوز 1967 الذي تم نسخه بالمرسوم رقم 2.11.621 بتاريخ 25/11/2011، بتحديد شروط وكيفيات مباريات التوظيف في المناصب العمومية، ج ر عدد 6007 مكرر بتاريخ 27/12/2011.
[8]  -  المرسوم رقم 2.99.0200   بتاريخ 5 ماي 1959 يطبق بموجبه بخصوص اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء الفصل 11 من الظهير الشريف الصادر بمثابة نظام عام للوظيفة العمومية ج  ر عدد 2429 بتاريخ  15 مايو 1959.
[9] - المرسوم الملكي رقم 62.68 بتاريخ 17 ماي 1968 بتحديد المقتضيات المطبقة على الموظفين  المتمرنين بالإدارات العمومية، ج  ر عدد 2899 بتاريخ 22 مايو 1968.
[10] - مليكة الصروخ" النظام القانوني للموظف العمومي المغربي،  مطبعة النجاح، الدار البيضاء 1994، ص:31 و 32.
[11] - صوفية فرادي، إصلاح نظام تقييم أداء الموظفين العموميين بالمغرب" مرجع سابق، ص 51.
[12] - للإشارة فقد تم تعديل هذا الفصل 22، بالقانون رقم 50.05 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.10، الصادر في 18 فبراير 2011، حيث جعل من المباراة الآلية الوحيدة للتوظيف، مع ذكر استثناء وهو"يمكن للحكومة أن ترخص للسلطات المكلفة بالدفاع الوطني أو بالأمن الداخلي والخارجي، بأن تقوم بتوظيفات بعد اختيار الكفاءات المطلوب توافرها في المترشحين دون إعلان سابق أو لاحق".
[13] - عبد الخالق علاوي ، مرجع سابق، ص 105.
[14] -  عبد الغني عبيزة  "المقاربة الجديدة لنظام تقييم أداء الموظفين على ضوء المرسوم رقم 1367-05-2 ، الصادر بتاريخ 2 دجنبر 2005" منشور بالمجلة المغربية  للإدارة المحلية والتنمية. سلسلة دراسات،عدد76-77،شتنبر- دجنبر2007.
[15] - عبد الخالق علاوي ، مرجع سابق، ص 106
[16] - صوفية فرادي، مرجع سابق، ص 52.
[17] -  مداخلة تحت عنوان" الإطار التدبيري للوظيفة العمومية: التحديات التدبيرية بالوظيفة العمومية" لرحال خديد، خبير في التدقيق الاستشاري و تدبير الموارد البشرية، المناظرة الوطنية حول المراجعة  الشاملة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، الجمعة 21 يونيو 2013، قصر المؤتمرات، الصخيرات. موقع وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة. www.mmsp.gov.ma
[18] - كلمة السيد عبد العظيم كروح، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة، المكلف بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، ألقاها في اليوم الافتتاحي للمناظرة الوطنية حول" المراجعة الشاملة للنظام الأساسي للوظيفة العمومية، يوم الجمعة 21 يونيو 2013، بقصر المؤتمرات، الصخيراتwww.mmsp.gov.ma
[19] - مداخلة ممثل وزارة التربية الوطنية في المناظرة الوطنية حول المراجعة الشاملة للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، " تحت عنوان" رفع التحديات من أجل تدبير ناجع وفعال" يوم الجمعة  21 يونيو 2013، قصر المؤتمرات، الصخيرات،www.mmsp.gov.ma
[20] - مداخلة ممثل وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة في المناظرة الوطنية حول المراجعة الشاملة للنظام الأساسي للوظيفة العمومية تحت عنوان،" النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية: من الإصلاح الجزئي إلى المراجعة الشاملة. بتاريخ 21 يونيو 2013، قصر المؤتمرات الصخيرات .www.mmsp.gov.ma
[21] - مداخلة ممثل وزارة التربية الوطنية تحت عنوان "رفع التحديات من أجل تدبير  ناجع وفعال" ، نفس المرجع السابق.  
[22] - مداخلة الأستاذ رحال خديد خبير في التدقيق  الاستشاري وتدبير الموارد البشرية، نفس المرجع السابق.
[23] - مداخلة ممثل وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، نفس المرجع السابق.
[24] - مداخلة ممثل وزارة التربية الوطنية، مرجع سابق.
[25] -جريدة "الأخبار"العدد 207،الأربعاء 17 يوليوز2013.
[26] - مداخلة عز الدين كموح ممثل وزارة الاقتصاد والمالية تحت عنوان" النظام الأساسي للوظيفة العمومية: الوضعية الراهنة وآفاق الإصلاح. في المناظرة الوطنية حول المراجعة الشاملة  للنظام الأساسي للوظيفة العمومية على الموقع w.w.w.mmsp.gov.ma
[27] - مداخلة وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، مرجع سابق.
[28] - عبد الخالق علاوي" إصلاح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية وتطوير منظومة تدبير الموارد البشرية" مرجع سابق، ص109و 110.
[29] - كريمة شادي"  دور التدبير التوقعي  للموارد البشرية في ترشيد وعقلنة الجهاز الإداري". بحث لنيل دبلوم سلك التكوين في التدبير الإداري، المدرسة الوطنية للإدارة، 2006، ص 14.
[30] - نادية تازيط، دور العنصر البشري في التنمية الإدارية" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون  العام ،كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، الرباط- السنة 96-97- ص26.
[31] - نادية تازيط، نفس المرجع، ص29.
[32] - نادية تازيط، نفس المرجع السابق ص .31.
[33] - كريمة شادي، مرجع سابق،  ص 11-12.
[34] - ثريا أشملال" عقلنة تدبير الموارد البشرية في قطاع الوظيفة العمومية"، رسالة لنيل دبلوم  الدراسات العليا في القانون العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- الرباط، 1996-1997، ص32.
[35] - كريمة شادي، مرجع سابق، ص: 13.
[36] - ثريا أشملال، مرجع سابق، ص : 33.
[37] - كريمة شادي،  مرجع سابق، ص: 14.
[38] - في هذا الإطار ثم وضع نظام معلوماتي لتدبير الدليل المرجعي لمنظومة الموارد البشرية في أول تجربة في  إطار  الانطلاقة لبرنامج الإدارة الالكترونية e- RH، والذي أنجزته وزارة تحديث  القطاعات منذ أكتوبر 2009.
[39] - مداخلة، سعد كدار، رئيس مصلحة إعداد الاحتياجات التكوينية والتداريب بوزارة العدل والحريات، تحت عنوان: الدليل المرجعي والتدبير التوقعي للوظائف والكفاءات بوزارة العدل والحريات"، بالجامعة الربيعية الأولى تحت شعار" من أجل عدالة فعالة وناجعة"، بتأطير من مكتب الدراسات لإصلاح وتحديث الإدارة القضائية من تنظيم ودادية موظفي العدل، يومي 17 و18 ماي 2013، بالمعهد العالي للقضاء، الرباط.
[40] - نرجس بربار: دور التدبير التوقعي في عقلنة وترشيد أداء الجهاز الإداري ، بحث لنيل دبلوم الماستر في القانون العام، تخصص تدبير الشأن العام، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية- السويسي، الرباط2011.
[41] -Gestion des ressources humaines : pilotages social et performances, Bernard  matory et daniel CROZET-6ème édition DUNOD 2005 , P 75.
[42] - كريمة شادي، مرجع سابق، ص15.
[43] - تم الاستعانة في هذا الإطار من أجل إعداد الدليل المرجعي للموارد البشرية بالنسبة لوزارة التربية الوطنية بمكتب الدراسات الكنديPROCADEM، وبالنسبة لوزارة الصحة من قبل مكتب الدراسات الفرنسيDemos  )في الدليل المرجعي للوظائف والكفاءات لكل من وزارة التربية الوطنية ووزارة الصحة( .
[44] - نرجس بربار، مرجع سابق، ص25.
[45] -   المسكيني وسيلة، " تدبير الموارد البشرية في الإدارة العمومية: الإدارة البرلمانية كنموذج"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط، السنة 2003، 2004 ص 84.
[46] - كريمة شادي، مرجع سابق، ص: 16.
[47] - Meriam Messaoudi «  la gestion des compétences dans l’administrations publiques marocaine, op.cit : P : 175-176.
[48] - السعدية حساك،" تدبير الموارد البشرية ودوره في التنمية: الإدارة المغربية كنموذج"، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أكدال، الرباط 2007، 2008، ص 103.

الدولة التعريف والاركان

محمد انوار

الدولة

أولاً: تعريف الدولة وأركانها

الدولة l’etat هي شخص معنوي يمثل قانوناً مجموعة من الأفراد يقطنون أرضاً معينة، وبيده مقاليد السلطة العامة، ومن هذا التعريف يمكن القول إن هناك ثلاثة عناصر لابد من توافرها لوجود دولة ما، وهذه العناصر هي:

1- الشعب population: تذهب غالبية الفقه إلى أن الركن الأول لأي دولة هو وجود «جماعة من الناس» ولا يشترط أن يبلغ عدد هؤلاء الناس مبلغاً محدداً للقول بتوافر هذا الركن، حيث يبلغ عدد سكان الصين مثلاً ما يزيد على مليار نسمة، في حين توجد بعض الدول لا يتعدى عدد سكانها عشرات الآلاف كما هو الحال في دولة بالاو Palaw مثلاً.

ولكن من الواضح أن كثرة عدد السكان تعدّ عاملاً في ازدياد قوة الدولة ونمو إنتاجها وثروتها وبسط سلطاتها، ولكن ذلك ليس قاعدة مطلقة بل نسبية فالكثرة العددية لشعب من الشعوب لا تعني دائماً الرفعة والتفوق، فقد كانت هولندة تستعمر إندونيسية مع أن عدد سكان الأولى أقل من عشر سكان الأخرى، كما قد تؤدي ظروف الدولة إلى تبني سياسة وتنظيم النسل وتحديد التزايد السكاني، وقد حصل خلاف فلسفي حول طريقة وجود شعب الدولة، فطرحت فكرتان، محتوى الأولى أن الإنسان يعد كائناً اجتماعياً بالطبيعة، وأن الجماعات البشرية والشعوب تمثل ظواهر اجتماعية طبيعية تنشأ تلقائياً، وخارج إرادات الأفراد، أما محتوى الأخرى، أن المجتمعات البشرية ليست إلا ظواهر صناعية أرادها الإنسان، ووضعها على عينة لخدمة متطلبات حياته الحاضرة والمستقبلية، وأياً كان التفسير الفلسفي لحقيقة نشأة الشعوب والجماعات البشرية، فلا يزال السؤال المطروح، يلح في معرفة الأساس الذي جرى ويجري عليه حتى اليوم توزيع جماعات الأفراد والشعوب بين الدول المختلفة، ولعل استقراء التاريخ قد يجعل المرء يقرر أن هذا التوزيع يجري تارة بالغزو العسكري في صورة احتلال وضم، ويجري تارة بتأثير الموازنات الدبلوماسية بين مختلف القوى العالمية في شكل معاهدات أو تحالفات، ولكن نادراً ما يتم على أساس استفتاءات شعبية حرة، وعلى كل حال، فإن شعب الدولة لا يكون مجموعة منعزلة من الأفراد، بل هو في الحقيقة جماعات من الأفراد مرتبطين معاً جسدياً، ومعنوياً، اقتصادياً واجتماعياً، عقائدياً، وفكرياً، بمجموعة متشابكة من علاقات التضامن والتشابه والاحتكاك وتناول المنافع، وتقسيم العمل. ولا يصح، في ظل التقسيمات المعاصرة للدول، الخلط بين فكرتي الشعب والأمة، فالأمة حقيقة اجتماعية مفادها أن مجموعة من الأفراد تم انصهارهم واتحادهم تحت تأثير عوامل متعددة خلقت منهم جماعة لها بين الجماعات القومية ذاتها وتاريخها وأهدافها ورسالتها، ويجمع بين أفرادها في علاقاتهم المتبادلة واجبات متبادلة أيضاً بالمحبة وتبادل المعونة والتزامات لحماية الترابط القومي وتنميته، أما الشعب فلا يعدو أن يكون عنصر «السكان» في الدولة، وهو قد يكون أمة واحدة، حين تكون الأمة قد حققت استقلالها وكونت دولة قومية مستقلة وهو ما تجري عليه القاعدة، في بعض دول أوربة الغربية خصوصاً، ولكن الشعب قد يكون جزءاً من أمة موزعة بين أكثر من دولة، وصورتها الأمة العربية التي لا تزال تبحث عن طريق لتحقيق وحدتها السياسية واستقلالها في دولة قومية ذات سيادة كما قد يكون خليطاً من قوميات متعددة، وهذا ما كانت عليه الامبراطوريات القديمة كالامبراطورية الرومانية، أو ما كانت عليه الحال في الاتحاد السوڤييتي السابق.

2- الإقليم le territoire: وإذا كانت الدولة في تعريفها الصحيح تفترض وجود مجموعة من الأفراد يعيشون معاً عيشة دائمة ومستقرة، فإن هذا الاستقرار والدوام لن يتحقق دون توافر الإقليم، بوصفه رقعة الأرض التي اختارها الأجداد وارتضاها من بعدهم الأبناء والأحفاد في أجيالهم المتتابعة مستقراً ومقاماً، ويجمع رجال القانون الدولي العام على أن من المعالم الرئيسية للنظام الدولي الحاضر، انفراد كل دولة برقعة محددة من أرض المعمورة تعرف بإقليم الدولة ولها وحدها عليه حق السيادة، بحيث يخضع لسلطانها كل الأشخاص والأشياء الموجودة عليه، بعكس ما كان في الماضي من سيطرة لنظام شخصية القوانين، فالدولة المعاصرة إذن منظمة سياسية إقليمية، لذلك لم يعترف الفقه للكنيسة الكاثوليكية بصفة الدولة، على الرغم من الاعتراف لها بالشخصية القانونية، إلا بعد معاهدة لاتيران سنة 1929، حين تحدد لها نطاق إقليمي معلوم، أصبحت بمقتضاه مدينة الفاتيكان بحدودها المقررة دولة ذات سيادة، وقد ثبت أيضاً لدى فقه القانون الدولي أن زوال إقليم الدولة يؤدي بالنتيجة إلى انقضاء شخصيتها الدولية، ولكن زيادة الإقليم أو نقصانه لا يؤدي إلى النتيجة نفسها، وإن كانت التزامات الدولة تتأثر زيادة ونقصاناً جراء ذلك.

وليس من الضروري أن يكون إقليم الدولة منطقة أرض متصلة، فقد يتكون إقليم الدولة من عدد من الجزر، كما هو الحال في إندونيسية. ويفصل إقليم الدولة عن أقاليم الدول المجاورة حدود، ذات أهمية خاصة يحدد على أساسها امتداد سيادة الدولة، والأساس المعتمد في تعيين حدود الدول هو في الغالب المعاهدات والاتفاقات الدولية التي تبرم بين الدول المعنية صاحبة المصلحة، وقد تكون هذه الحدود طبيعية أنشأتها الطبيعة كالجبال والأنهار والبحار، وقد تكون الحدود غير طبيعية (صناعية)، وهي التي تلجأ إليها دول لا تفصلها حدود طبيعية، وتقام هذه الحدود عن طريق وضع علامات خاصة كالأعمدة والأبنية والأسلاك الشائكة أو جسم عائم فوق الماء وغير ذلك.

وفي داخل هذه الحدود يتكون إقليم الدولة من مساحة من الأرض معلومة بكل ما تحت سطحها من طبقات لا نهاية لعمقها، وما تشتمل عليه من ثروات طبيعية، وما يعلوها من مجالات حيوية إلى ارتفاع معين، بحيث يكون ما يعلوه جواً حراً لجميع الدول، وكذلك تدخل المياه الإقليمية[ر: البحار(قانون -)]، للدول المطلة على البحار في نطاق الإقليم، وللدولة إقليم مائي داخلي يتضمن جميع الأنهار والبحيرات الموجودة داخل حدودها. وللإقليم بمفهومه المتقدم أهمية كبرى فيما يتعلق بممارسة سلطة الدولة، فهو يحدد النطاق الإقليمي الذي يمكن للدولة أن تحدد شعبها على أساسه تحديداً مادياً واضحاً، ومن ثم تجسيد العلاقة الرعوية، بين الدولة وأفراد الشعب، كما يساعد على تحديد نطاق اختصاص الدولة، فكأنه قاعدة الأساس في استقلال الدولة، والمدخل إلى حقها في السيادة.

3- السلطة الحاكمة la puissance: يجب أن تقوم بين الشعب القاطن في الإقليم هيئة حاكمة ومنظمة لتشرف على الإقليم ومن يقطنونه، وتمارس هذه الهيئة سلطاتها باسم الدولة، ويتميز هذا الركن بأهمية خاصة لدرجة أن فكرة الدولة توحي أولاً وقبل كل شيء بفكرة السلطة العامة العاملة والمنظمة، ويجمع الفكر السياسي على أن وجود السلطة يتحقق حين ينقسم أفراد المجتمع إلى فئتين، فئة قوية تحكم أياً كانت مظاهر قوتها (اقتصادية، أو دينية، أو عسكرية، أو فكرية)، وفئة أخرى محكومة تخضع وتتطلع، وبهذا وحده تتحول الجماعة إلى مجتمع منظم، تسيطر عليه فكرة القانون الملزم، وتتحقق فيه فكرة الصالح العام، ويتم بها التصالح بين الغرائز الفردية والغرائز الاجتماعية في الإنسان، ويجمع فقه القانون الدستوري على أن السلطة السياسية ظاهرة اجتماعية لا مكان لها خارج النظام الجماعي، كما أنها ظاهرة نفسية تقوم على الرضا، فهي إن أخذت في الحياة الواقعية مظهر القوة المادية، فإنها قبل كل شيء، تعتمد في وجودها وفي شرعية تصرفاتها، على مدى ارتباطها بالضمير الجماعي وصدق تعبيرها عنه، ومن ثم، فهي تستقر في الأساس على رضا المحكومين بها وقبولهم لها، ولكن هذا لا يعني أن السلطة السياسية، كثيراً ما تعتمد في الدولة المعاصرة، على أساليب مختلفة، بعضها للضغط، وبعضها للإقناع، حتى تحمل الأفراد الخاضعين لها، على الرضا بها وتقبلها، وإضافة إلى ذلك فإن السلطة السياسية ظاهرة قانونية، إذ إن الصالح الجماعي المشترك الذي تتجمع حوله الحياة الجماعية ويحدد أهداف الأفراد وآمالهم المستقبلية لا يتحقق تلقائياً، فهو يتطلب من الأفراد أن يسلكوا فيما بينهم أنماطاً معينة من السلوك لا تهدد الصالح العام، وهو الأمر الذي يوجب أن يتوافر في المجتمع السياسي نظام سلوكي محدد يحيط بالأنشطة الفردية ويوجهها، وليست قواعد هذا النظام السلوكي في النهاية غير القانون، بيد أن هذا القانون الذي ينشأ مع نشأة المجتمع الإنساني، لا بد له من قوة عاملة تقوم على وضعه موضع التنفيذ، عن طريق وضع قواعد سلوك محددة ومعلنة رسمياً للناس، وتسهر على تنفيذها وحمايتها ضد كل محاولة للخروج عليها من جانب الأفراد.

وقد ثار نقاش شديد حول القيمة التي يحملها الاعتراف بالدولة من جانب الدول الأخرى في المجتمع الدولي، ومدى تأثيره على الوجود القانوني للدولة، إذ انقسم الفقه في هذا المجال إلى اتجاهين، الأول: من أنصار النظرية المنشئة، وخلاصتها أن اجتماع العناصر الدولية الثلاثة (الشعب والإقليم والسلطة)، لا يكفي وحده لاكتساب الدولة الشخصية القانونية، ولا لدخولها بالتالي في المجتمع الدولي، بل يلزم الاعتراف بها كشرط إضافي من جانب الدول الأخرى، أما الاتجاه الآخر، فهو من أنصار النظرية المقررة، وخلاصتها أن الدولة توجد تلقائياً بمجرد اكتمال العناصر المادية الثلاثة المعززة لوجودها، وأنها على هذا الأساس، تدخل المجتمع الدولي بوصفها شخصاً قانونياً مسلماً به نشأ تلقائياً وذاتياً، ومع ذلك، فإنه لا يزال للاعتراف أهميته، لا بوصفه منشئاً للدولة، بل بوصفه الطريق الطبيعي لإيجاد علاقات تعاون عادية ومستمرة بين الدول والاعتراف بالدولة الجديدة قد يكون مشروطاً أو خالياً من الشروط، والشروط قد تكون صريحة، وقد تكون في تحفظات، وإذا كان الاعتراف غير المشروط هو الأصل، فقد يحدث أن تشترط الدولة المعترفة على الدولة الجديدة شروطاً معينة يلزمها احترامها حين تمارس سيادتها في المجال الداخلي، أو حين تتعامل مع الدول الأخرى، أو المنظمات الدولية، في مجالات السياسة الخارجية.

ثانياً: التقسيمات القانونية للدول
تذهب أغلبية فقه القانون الدولي العام، وكذلك أغلبية فقه القانون الدستوري، إلى أن الدول صاحبة السيادة الكاملة تنقسم إلى دول بسيطة simples أو موحدة ودول مركبة أو اتحادية mixtes، والدولة البسيطة، والموحدة هي الدولة في أبسط صورها، حيث تبدو كتلة واحدة وسيادتها موحدة ومستقرة في يد حكومة مركزية واحدة، دون مشاركة أو توزيع فهي تمتاز بوحدتها السياسية، أو بوحدتها الدستورية، ووحدتها في التشريع، حتى ولو لم تتحقق وحدتها الإدارية، أما الدولة الاتحادية أو المركبة، فإنها توجد فيها كتلة دستورية واحدة، إنما تتعدد فيها الدساتير، كما تتعدد سلطات الحكم على مستوى كل دويلة من الدويلات الداخلة في الاتحاد، ولعل أشهر أنواع الدول الاتحادية إنما يتمثل في الاتحاد المركزي أو الفيدرالي le federalisme والذي يتكون من مجموعة ولايات أو دويلات تضمها دولة اتحادية تكون لها كقاعدة عامة، كل مظاهر السيادة الخارجية، أما السيادة الداخلية فتوزع بين دولة الاتحاد والدويلات الأعضاء، وأمثلة هذا النوع من الدول كثيرة منها الولايات المتحدة، وسويسرا، ودولة الإمارات العربية المتحدة.

ثالثاً: التشخيص القانوني للدولة
نظر الفقه إلى الدولة على الدوام على أساس تمتعها بالشخصية القانونية، بحيث تظهر كوحدة قانونية مستقلة عن الأفراد المكونين لها، على أن يكون معلوماً أن الدولة، ككل الأشخاص المعنوية العامة والخاصة، لا تتمتع بالوجود المادي الذي يتمتع به الشخص الطبيعي (الإنسان العادي)، وهو ما يجعلها غير قادرة على أن تمارس بنفسها مظاهر وجودها القانوني، وإنما يتكفل قانون الدولة الأساسي (الدستور)، بتحديد الأشخاص الآدميين (الحكام)، الذين يملكون قدرة التعبير عن إرادة الدولة وتمثيلها في كل ما تقتضيه مصالحها من علاقات وروابط، لذلك يصح القول إنه لا يُحس بالدولة ولا تُرى في واقع الحياة اليومية إلا من الحكام فهؤلاء هم الذين يحوزون سلطة الدولة ويتولون نيابة عنها حق الأمر والنهي في الجماعة، ويعد الفقه الألماني، هو المصدر التاريخي لهذا التكييف القانوني[ر] المستقر اليوم، والذي امتد خارج ألمانيا، حتى صادف قبولاً لدى أغلب فقه القانون العام المعاصر، ولاسيما في فرنسا، إلا أنه يفصل بين الفقه الألماني والفقه الفرنسي خلاف عميق في فكرة تشخيص الدولة، ذلك أن جماعة الفقه الألماني تنظر إلى الدولة نظرة مجردة عن الأمة وتراها كائناً قانونياً مستقلاً وشخصاً عاماً يملك وحده حق السيادة، أما جماعة الفقه الفرنسي فتخلط بين الدولة والأمة، ولا ترى الدولة شيئاً غير الأمة منظوراً إليها نظرة قانونية، وإنها بهذه الصورة تعتبر التشخيص القانوني للشعب، وتكون سيادتها وسلطتها العامة، المظهر القانوني للسيادة الشعبية، كما أن الفقه الفرنسي ذاته قد انقسم في مجال مناقشة هذه الشخصية، فقد ذهب فريق إلى الاعتراف بشخصية الدولة المعنوية في مجال القانون الخاص والحقوق المالية فقط، أما في مجال القانون العام، وما يتصل به من الاعتراف للدولة بامتيازات السلطة العامة، فلا مكان لفكرة الشخصية المعنوية ولا لفكرة الحقوق إطلاقاً لأن، كل ما تتمتع به الدولة في هذا المجال لا يعدو أن يكون مجرد اختصاصات أو وظائف يمارسها عمال الدولة، وموظفوها لتحقيق الصالح العام في إطار القانون، وعلى مقتضاه. في حين ذهب فريق آخر من الشراح إلى تأكيد ازدواج شخصية الدولة القانونية، بمعنى أن للدولة شخصيتين قانونيتين متميزتين، فهي في مجال القانون الخاص والحقوق المالية شخص من أشخاص القانون الخاص ولكنها في مجال حق السيادة وامتيازات السلطات العامة شخص من أشخاص القانون العام بفروعه المختلفة، والرأي الراجح في فقه القانون العام المعاصر، يجمع على أن الدولة ليست إلا شخصاً قانونياً معنوياً واحداً، يتصرف في إطار أكثر من نظام قانوني وتتمتع في مجال كل نظام منها بحقوق وامتيازات تتفق مع طبيعته وأهدافه، وتأسيساً على ذلك فإن الدولة حين تتصرف في مجال علاقاتها مع الدول الأخرى، تكون شخصاً من أشخاص القانون الدولي العام، ولكنها حين تتصرف داخل إقليمها، ومع رعاياها، فإنها تظهر بصفتها من أشخاص القانون الوطني، على أن تحكمها في هذا المجال قواعد القانون العام تارة، وقواعد القانون الخاص تارةً أخرى، وذلك في ضوء طبيعة العلاقات التي تكون طرفاً فيها، طبقاً للمعيار المستقر للتمييز بين موضوعات كل من القانونين، مع الإشارة إلى أنه وجد رأي فقهي مرجوح في فرنسة كان ينكر إطلاقاً الشخصية القانونية للدولة، وأبرز من مثل هذا الاتجاه العميد دوجي Duguit الذي برّر رفضه للشخصية القانونية للدولة على أساس أن الدولة ليست إلا ظاهرة اجتماعية طبيعية تنشأ تلقائياً حين يحدث ما سماه الاختلاف السياسي diferenciation politique بين أفراد المجتمع، بحيث تظهر فيهم فئة حاكمة يتعلق بها أمر السلطة العامة، وفئة محكومة يقع عليها واجب الطاعة والخضوع، وذلك بغض النظر عن الوسيلة التي يعتمد عليها الحكام في فرض أوامرهم، أي سواء أكان بالإقناع أم بالقوة. وعلى كل حال، تترتب على الاعتراف بالشخصية القانونية للدولة، عدة نتائج هي غاية في الأهمية:

1- الأهلية القانونية: يؤدي القول إن الدولة تعتبر كائناً قانونياً قائماً بذاته ومستقلاً عن الحكام والمحكومين، في وقت واحد إلى ضرورة التسليم لها بقدرات مستقلة كذلك، تمكنها من إتيان التصرفات القانونية المختلفة، وهو ما يعرف بالأهلية القانونية، إلا أن أهلية الدولة القانونية وإن كانت تسمح لها أن تمارس كل أنواع التصرفات القانونية، كالاتفاقات والعقود وتصرفات الإرادة المنفردة إلا أن ما تتمتع به الدولة من سلطة عامة مرصودة لخدمة الجماعة قد اقتضى لها في القانون الوضعي المعاصر، كثيراً من الامتيازات الاستثنائية التي لا تعرفها غيرها من الأشخاص القانونية.

2- ذمة الدولة المالية وحقوقها: وتأسيساً على ما تقدم، ثبت لدى فقه القانون العام، أنه لا بد لكل الأشخاص المعنوية والدولة أحد هذه الأشخاص من ذمة مالية خاصة ومستقلة عن الذمة المالية للأعضاء المكونين له، ولممثليه الذين يتصرفون باسمه، ومن ثم فإن الحقوق والالتزامات التي ترتبها تصرفات حكام الدولة باسمها ولحسابها، لا تعود إلى ذمة هؤلاء الحكّام المالية ولكنها تكون حقوقاً والتزامات لحساب الدولة ذاتها.

3- وحدة الدولة: والدولة باعتبارها شخصاً قانونياً، مستقلاً ومتميزاً عن أشخاص الحكام والمحكومين على السواء، تمثل وحدة قانونية واحدة ودائمة، أما أن الدولة تمثل وحدة قانونية، فهذا يعني أن تعدد سلطاتها العامة من تشريعية وتنفيذية وقضائية وكذلك فإن تعدد ممثلي الدولة، وتعدد الأجهزة والأشخاص التي تعبر عن إرادتها وتعمل باسمها، لا يغير من وصفها كشخص قانوني واحد، وتفريعاً على ذلك فإنه يلزم في الدولة مهما كان مدى الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، أن ترتبط السلطات العامة والتشريعية والتنفيذية والقضائية فيما بينها بنوع من التدرج الهرمي يسمح بالتعاون فيما بينها. وأما أن الدولة تمثل وحدة قانونية دائمة، فهذا يعني أن وجود الدولة كشخص قانوني واستمرارها، لا تتأثر بتغيير الأشخاص الممثلين لها أو بتغيير نظام الحكم فيها، ويبرر استمرار الدولة ودائميتها، اعتبارها شخصاً قانونياً مستقلاً ومتميزاً في وجوده وحياته عن وجود الأفراد المكونين له، أو الممثلين له، وأنها تستهدف أغراضاً تتجاوز عمر جيل بذاته من أجيال شعبها، وهذه الأغراض تبقى على الرغم من زوال الأفراد وتغير الحكام، وتطور الشكل الدستوري، مما يجعلها حقيقة باقية مستمرة ودائمة.

رابعاً: خضوع الدولة للقانون
لم تعد الدولة المعاصرة، تلك الدولة الاستبدادية التي يختلط فيها القانون بإرادة الحاكم ومشيئته، وإنما هي أساساً دولة يسودها مبدأ سيادة القانون والشرعية، ومقتضى هذا المبدأ أن أعمال السلطات العامة في الدولة وقراراتها النهائية، على أي مستوى كانت من التدرج لا تكون صحيحة ولا منتجة لآثارها القانونية المقررة، في مواجهة المخاطبين لها، إلا بمقدار مطابقتها للقاعدة القانونية الأعلى التي تحكمها، وكذلك فإن إجراءات السلطات العامة، وأعمالها، وتصرفاتها كافة، لا تكون صحيحة، ولا منتجة لآثارها القانونية المقررة إلا بمقدار التزامها بما يقضي به القانون، فإن صدرت هذه أو تلك على غير مقتضى القانون الواجب التطبيق، فإنها تكون غير مشروعة، ويكون لذوي الشأن حق طلب إلغائها والتعويض عنها أمام المحاكم المختصة، ومن هنا كان استقلال القضاء ودعم هذا الاستقلال، من ألزم الضمانات لإقرار مبدأ سيادة القانون وتوكيده، وفي الحقيقة، فإن نقطة البدء في فهم الدولة القانونية وتصورها، تتمثل في قدرة التمييز بين فكرة السلطة السياسية pouvoir politique، والحكام governants، فإذا كنا لا نحس بالسلطة في واقع حياتنا العملية إلا من خلال الحكام، وما يملكونه في مواجهتنا من قدرة الأمر والنهي، إلا أن هؤلاء الحكام لا يمارسون السلطة، بوصفها امتيازاً أو حقاً لهم، بل يظهرون في موقع السلطة من خلال وظائفهم، واختصاصاتهم المحددة لهم سلفاً في القانون، ويمثل الدستور قاعدة الأساس في هذا المجال، لأنه حين يحدد الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العامة التي تعيش في ظلها أوجه النشاط الفردي والحكومي على السواء، وحين يعين الأشخاص والهيئات العامة التي يكون لها حق التصرف باسم الدولة في نطاق من هذه الاتجاهات العامة، فإنه يحدد طاعته فكرة القانون واجبة الاتباع التي يجب أن يلتزم بها الحكام إذا أرادوا لتصرفاتهم أن تكون مشروعة ونافذة.