الاختلالات نظام الترقية : تشخيص الوضعية الحالية

تعتبرالترقية بجميع أشكالها بالنسبة لكل موظف العمود الفقري في مسار حياته الادارية وحافزا ماديا ومعنويا يؤثر بصفة مباشرة في تثبيت وترسيخ دوافع الاستقرار والاسمرارية بالمرافق العمومية ، وهي تعني في مضمونها القانوني تغيير في الوضعية الادارية للموظف من خلال انتقاله من رتبة الى أخرى أو من درجة لأخرى أو من اطار الى اخر.
وقد حددت النصوص التشريعية والتنظيمية للوظيفة العمومية نمط أنساق الترقي ونظمها وشروطها، وذلك لضمان التوازن بين مختلف الأسلاك الادارية، وتندرج الترقية في إطار تدبير الحياة الوظيفية لكل موظف وتشكل في نفس الوقت العنصر الأساسي المحفز بالدرجة الاولى ، وهي بذلك تجسد اعتراف الادارة بالقيمة المهنية لمستخدميها أاثناء تنفيذ الاعمال الموكولة اليهم.
ويتطلب موقع الترقية في حياة الموظف، من الادارة المزيد من العدالة والانصاف بالاضافة الى شفافية قراراتها، من خلال اعتماد مقاييس موضوعية ومنصفة تستهدف بالأساس الكفاءة والاستحقاق كما أفصحت عنها مقتضيات الفصل 34 من النظام الاساسي العام للوظيفة العمومية.
وتبعا لذلك، فإن شروط وأنساق الترقية في المسار الوظيفي تشكل أحد الاهتمامات الدائمة للموظف والتي اصبحت تثير الكثير من الجدل والمنازعات مابين الادارة و الموظفين وكذا الهيئات النقابية.
أما الترقية الإختيارية الإستثنائية في الدرجة، فانها تخول للموظف تحسين وضعيته الادارية والرفع من مدخوله المادي بشكل أساسي ، الا ان عدد الموظفين الذين بامكانهم اليوم الاستفادة من هذه الترقية أصبح في خبر كان ، اذ أن عدد المرشحين المترقين يتم تحديده مسبقا بموجب الحصيص المالي ( الكوطا) الذي تقره الانظمة الاساسية، وليس على أساس الاستحقاق والكفاءة، كما هو الحال مثلا بالنسبة للترقية للمعلمين و الأساتذة على حد سواء وخاصة القدامى تضيع أقدميتهم ولا ينظر لكفاءتهم المهنية والخبرة المميزة : من درجة 9– إلى السلم 10 –و الى درجة– السلم 11 –
ونفس الشيء ينطبق على الدرجات الخاضعة لنظام الكوطا ، بحيث ان العمل بهذا النظام الذي وجد في الأصل لأجل خلق ميكانيزمات تمكن من التحكم في الانعكاسات المالية الناتجة عن الترقية في الدرجة واقرار هرمية تراتبية داخل الادارة العمومية، أدى الى انعكاسات سلبية على نمط تدبير الموارد البشرية.
ولتلافي الإجراءات الاستثنائية التي تتخذها الحكومة تحت ضغط النقابات والتي تؤدي الى ترقيات مكثفة خلال فترة محددة، كما حصل في الترقية الاستثنائية من سنة 1997 الى 2000، فانه يتعين القيام بمراجعة شمولية لنظام الترقية بالاختيار ، ذلك أنه من المنتظر أن تشكل الترقية في الدرجة خلال السنوات المقبلة مشاكل كثيرة ،وهذا مما لاشك فيه ستكون له اعكاسات وخيمة على مردودية موظفينا وسمعة ادارتنا.
انساق الترقية في الدرجة : اية اساليب ؟ واية اهداف ؟أي تقييم لاداء الموظف ؟ و أي تحفيز ؟
فان الطريقة المعتمدة غالبا تتمثل في الترقية بالاختيار.
ففي غياب اية قيمة معنوية أو مادية للترقية في الرتبة ، فان غالبية الموظفين يتجهون الى الترقية في الدرجة بالاختيار من أجل تحسين وضعيتهم الادارية والمادية، وغالبا ماتتخد هذه الامنية شكل كابوس لدى كل الموظف الذي يصل به المطاف في النهاية الى فقدان الثقة في العدالة الادارية، اذ يتعين عليه اجباريا انتظار سنوات طويلة لتحقيق امنيته ، بسبب تقلص امكانيات الترقية والتي تعود اسبابها الى :
· تقادم القواعد النظامية المعتمدة لأجل الترقي بالاختيار.
يخول الحق في الترقية بصفة تلقائية، اذ تظل هذه الامكانية رهينة بموافقة الادارة وشغور المناصب المالية انتقاء من هو كفؤ لها،وذلك من خلال الاقرار بالقيمة المهنية للموظفين الاكفاء والإعتراف بأقدميتهم ترتيب احقيتهم في لائحة الترقي حسب الأسبقية على اساس تقدير شامل لادائهم ومراعاة لعملهم لزمن أطول ..
. هذه الأحقية تكون نتيجة لإثبات الموظفين لجدارتهم وفعاليتهم في ممارسة عملهم والنقطة المحصل عليها طيلة عملهم والانضباط و المردودية وسلوكهم المهني ويخضع لشروط الترقي بالأقدمية أما احتساب الحصيص حسب المناصب المالية بوضع شروط تعجيزية قد ترضي البعض وتغب الكثيرين وتقصيهم من حقهم المشروع لهم الحق الإستفادة منه كسائر المغاربة ....... وهذا ليس بقانون

عدم تبرير معايير استحقاق الموظفين للترقية بالمقارنة مع المدعي – إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون

المحكمة الإدارية بالرباط: عدم تبرير معايير استحقاق الموظفين للترقية بالمقارنة مع المدعي – إخلال بمبدأ المساواة أمام القانون- نعم

القاعدة

-الأصل أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي، إلا أن الأخذ بهذا الأصل على إطلاقه في مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال، بالنظر إلى احتفاظ الإدارة في غالب الأمر بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم في المنازعات، لذا فإن من المبادئ المستقرة في المجال الإداري والتي استقر عليها قضاء محكمة النقض أن الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمنتجة في إثباته إيجابا ونفيا متى طلب منها ذلك من طرف المحكمة ، بحيث متى نكلت عن تقديم الأوراق المتعلقة بموضوع النزاع، فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعي تلقي عبء الإثبات على عاتق الإدارة
- عدم إثبات الإدارة لسبب تجاوز استحقاق المدعي للترقية بالمقارنة مع زملائه ،وبما يفيد احترام معايير المساواة والاستحقاق وعدم التمييز فيما بينهم ،وتبريرها فيما يتعلق بالإدلاء بمعايير التقييم والتنقيط المعتمدة رغم توفرهم على الأقدمية المطلوبة لتستطيع المحكمة ممارسة رقابتها على شرعية وملائمة قرارات الترقية ،يجعل الطلب مؤسسا لإخلال الإدارة بمبدأ مساواة موظفيها أمام القانون وأمام الفرص المتاحة المكرس دستوريا ولانحرافها في استعمال عناصر السلطة التقديرية التي تتوفر عليها للاختيار بخصوص معالجة وضعية المعني ،لاسيما وأن تقلده لمناصب مسؤوليات أمنية عدة وسبق استفادته من ترقيات لاحقة على إيقاع العقوبة التأديبية وحصوله على على وسام ملكي سام يجعل اعتباره رد إليه بقوة القانون ،مما يتعين معه التصريح بتسوية الوضعية الإدارية والمالية للمدعي




الحمد لله وحده
المملكة المغربية
السلطة القضائية
المحكمة الإدارية بالرباط

أصل الحكم المحفوظ بكتابة الضبط
بالمحكمة الإدارية بالرباط
قسم القضاء الشامل
حكم رقم : 1948
بتاريخ : 10/4/2014
ملف رقم : 230/7105/2013


باســــم جــلالة المــلك وطبقا للقانون
بتاريخ الخميس 03 جمادى الثانية 1435 الموافق ل 3 أبريل 2014
أصدرت المحكمة الإدارية بالرباط وهي متكونة من السادة :
محمد الهيني...........................................رئيسا ومقررا
أمينة ناوني..........................................عضوا
معاذ العبودي..................................... عضوا
بحضور السيد محمد كولي .......................مفوضا ملكي
بمساعدة السيدة فاطمة الزهرراء بوقرطاشى ............كاتبة الضبط



الحكم الآتي نصه :


الوقائع
بناء على المقال  الافتتاحي  للدعوى المقدم  من طرف المدعي   بواسطة نائبه   لدى كتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ  11-9-2013 المؤدى عنه  الرسوم القضائية والذي يعرض فيه أن سجل بلائحة الترقية إلى درجة والي الأمن برسم سنة 2011 وكذا برسم سنة 2012 وصدرت الترقية برسم السنتين المذكورتين بموجب المذكرة رقم 4468 الديوان بتاريخ 1-8-2013 شاملة للمراقبين العاملين الذين تمت ترقيتهم برسم سنتي 2005 و 2006 دون أن تشمله تلك الترقية مع أنه كان أحق بها من زملائه الأقل منه أقدمية وتنقيطا وترتيبا وتصنيفا ورقما استدلاليا ،وأن مبدأ المساواة في التعامل ومراعاة الكفاءة والأقدمية سواء من حيث العمل أو السن ،لأجله يلتمس  الحكم بتسوية وضعيته الإدارية والمالية مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية والنفاذ المعجل والصائر.
 وبناء على المذكرتين  الجوابية والتعقيبية المقدمتين من طرف نائب الإدارة المدعى عليها والمودعتين  بكتابة ضبط هذه المحكمة  على التوالي بتاريخ و26-2-2014 و 26-3.-2014  والتي يلتمس فيهما التصريح بعدم قبول الطلب شكلا لرفع الدعوى خارج الأجل القانوني المنصوص عليه في الفصل 23 من القانون المحدث للمحاكم الإدارية ،ورفضه موضوعا لأن الترقية يشترط فيها بالإضافة لشرط الاقدمية للتسجيل في الجدول والاختيار من طرف اللجنة وتوفر المنصب المالي ،والمعني بالأمر لم تختره اللحنة لأن هناك من أولى منه بها ،فضلا عن أن المسار المهني للمدعي عرف عدة تعثرات حيث سبق أن أعفي من المسؤوليات التي أوكلت إليه ابتداء من 2007 إلى 2012 ووجهت له رسالة تنبيه في 1985 ،وتلقى عقوبة تأديبية في 2001 على خلاف من تمت ترقيتهم لدرجة والي أمن
 وبناء على عرض القضية بجلسة 27-3-2014،تخلف خلالها جميع الأطراف  رغم التوصل فاعتبرت المحكمة القضية جاهزة وأعطيت الكلمة للسيد المفوض الملكي الذي أكد مستنتجاته الكتابية فتقرر وضع القضية في المداولة قصد النطق بالحكم الآتي بعده.

وبعد المداولة طبقا للقانون
من حيث الشكل:
حول الدفع برفع الدعوى خارج الأجل القانوني
 وحيث استقر اجتهاد الغرفة الإدارية بمحكمة النقض أن مناط التمييز بين دعوى قضاء الإلغاء ودعوى القضاء الشامل في مجال الوضعية الفردية للموظفين والعاملين في المرافق العامة هو مصدر الحق المطالب به،وعليه فإذا كان هذا الحق يجد سنده في القانون مباشرة بحيث يقتصر دور الإدارة على تطبيق القانون على حالة من يعنيه الأمر كإجراء تنفيذي فقط فإن المنازعة في هذه الحالة تصنف ضمن القضاء الشامل كما في نازلة الحال ،ودون أن يكون صاحب الشأن مقيدا بأي أجل قصد اللجوء إلى القضاء ،أما إذا كان الحق المدعى به مستمدا من قرار إداري فإنه لا يمكن تجاوز أجل الطعن بالإلغاء كما هو محدد قانونا.
وحيث إن طلب تسوية الوضعية الفردية موضوع النازلة ليس من شأنه التعرض لقرارات متحصنة،ومن جهة ثانية، ،فإن المرجعية التي يعتمدها  المدعي في طلبه هي مرجعية قانونية تجد سندها في المادة 10 من المرسوم الملكي رقم 2.10.85 بمثابة النظام الأساسي للمديرية العامة للأمن الوطني  الأمر الذي يبقى معه الدفع المثار غير قائم على أساس.
وحيث بذلك يكون الطلب  مقدما وفقا للشروط المتطلبة قانونا مما يتعين معه قبوله شكلا

من حيث الموضوع:
حيث يهدف الطلب إلى  الحكم بتسوية وضعية المدعي  الإدارية والمالية مع ما يترتب عن ذلك من آثار قانونية والنفاذ المعجل والصائر.
 حيث دفعت  الجهة المدعى عليها بعدم استحقاق شروط الترقية، لأن الترقية يشترط فيها بالإضافة لشرط الاقدمية للتسجيل في الجدول والاختيار من طرف اللجنة وتوفر المنصب المالي ،والمعني بالأمر لم تختره اللجنة لأن هناك من أولى منه بها ،فضلا عن أن المسار المهني للمدعي عرف عدة تعثرات حيث سبق أن أعفي من المسؤوليات التي أوكلت إليه ابتداء من 2007 إلى 2012 ووجهت له رسالة تنبيه في 1985 ،وتلقى عقوبة تأديبية في 2001 على خلاف من تمت ترقيتهم لدرجة والي أمن.
 وحيث إن الأصل أن عبء الإثبات يقع على عاتق المدعي، إلا أن الأخذ بهذا الأصل على إطلاقه في مجال المنازعات الإدارية لا يستقيم مع واقع الحال، بالنظر إلى احتفاظ الإدارة في غالب الأمر بالوثائق والملفات ذات الأثر الحاسم في المنازعات، لذا فإن من المبادئ المستقرة في المجال الإداري  والتي استقر عليها قضاء محكمة النقض أن الإدارة تلتزم بتقديم سائر الأوراق والمستندات المتعلقة بموضوع النزاع والمنتجة في إثباته إيجابا ونفيا متى طلب منها ذلك من طرف المحكمة بموجب الحكم التمهيدي بإجراء بحث الصادر في النازلة، بحيث متى نكلت عن تقديم الأوراق المتعلقة بموضوع النزاع، فإن ذلك يقيم قرينة لصالح المدعي تلقي عبء الإثبات على عاتق الإدارة.
 وحيث إن القاضي الإداري يراقب مدى تقيد الإدارة باحترام مبدأ مساواة موظفيها أمام القانون وأمام الفرص المتاحة، كما يراقب عدم انحرافها في استعمال عناصر السلطة التقديرية التي تتوفر عليها.
 وحيث إن الترقية بالاختيار لا تتم بصورة آلية ولكن تتوقف على توفر عدة شروط أهمها وجود المنصب المالي والتقييد في جدول الترقي وعرض على اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء لإبداء رأيها فيه مع العلم بأن التسجيل في اللائحة المذكورة لا يتم إلا بعد دراسة عميقة للقيمة المهنية لكل مرشح وأخذ النقط التي حصل عليها بعين الاعتبار .
وحيث إن عدم إثبات الإدارة لسبب تجاوز استحقاق المدعي للترقية بالمقارنة مع زملائه ،وبما يفيد احترام معايير  المساواة والاستحقاق  وعدم التمييز فيما بينهم ،وتبريرها فيما يتعلق بالإدلاء بمعايير التقييم  والتنقيط المعتمدة رغم توفرهم على الأقدمية المطلوبة لتستطيع المحكمة ممارسة رقابتها على شرعية وملائمة قرارات الترقية ،يجعل الطلب مؤسسا لإخلال الإدارة بمبدأ مساواة موظفيها أمام القانون وأمام الفرص المتاحة المكرس دستوريا ولانحرافها في استعمال عناصر السلطة التقديرية التي تتوفر عليها للاختيار بخصوص معالجة وضعية المعني ،لاسيما وأن تقلده لمناصب مسؤوليات أمنية عدة وسبق استفادته من ترقيات لاحقة على إيقاع العقوبة التأديبية وحصوله  على وسام ملكي  سام يجعل اعتباره رد إليه بقوة القانون ،مما يتعين معه التصريح بتسوية الوضعية الإدارية والمالية للمدعي باعتباره مستحقا للترقية إلى درجة والي للأمن ابتداء من سنة 2011 مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.
 المنطوق
و تطبيقا لمقتضيات الفصول 110 و 117 و 118 من الدستور ، ومقتضيات القانون رقم 90-41 المحدثة بموجبه محاكم إدارية ومقتضيات قانون المسطرة المدنية .

لهذه الأسباب

حكمت المحكمة الإدارية علنيا ابتدائيا  وحضوريا :
في الشكل:بقبول الطلب
وفي الموضوع:بتسوية الإدارة العامة للأمن الوطني للوضعية الإدارية والمالية للمدعي وذلك بترقيته إلى درجة والي الأمن منذ 2011 مع الصائر .
 الرئيس والمقرر                                                             كاتب الضبط

الحق في الخطأ

سناء محمد طوط

شاءت حكمة الباري أن نوجد في هذه الدنيا، وأن نُمنح كل وسيلة نسمو بها بنفوسنا وقيمنا وذواتنا عن طريق التجربة والخطأ، كما يُفهم من وحي النصوص.
فالخطأ طبيعة حال ووروده ليس شيئاً شاذاً. وليس الخطأ مشكلة بذاته، بل المشكلة هي الإصرار عليه، وهو ما ينتفي معه الهدف الأصل من الإيجاد في هذه الدار، وهو السمو بالنفس والقيم لأقصى مرتبة من الكمال يمكن أن تصل إليها البشرية. والله يدعونا لما يحيينا.
لذا دلت جملة النصوص على أن النقطة التي يتراجع فيها الفرد عن الخطأ أنها نقطة استئناف لايحسب ما قبلها من شطط وانحراف، ذلك أنها تحققت فاعلية الهدف المراد، والعبرة أصلاً في تحقيق الهدف الذي هو تزكية البشر وصناعتهم على أرقى وأتم صورة، على ضوء مبادئ ومُثل وقيم خطها لهم الشارع الحكيم..
نقطة التصحيح تلك تتمثل بالإقرار بالخطأ ومعرفته وتجنبه، وتتمثل أيضاً بالاستمساك بالصواب وتفعيله والثبات عليه، وتتمثل أيضاً بمواجهة الخطأ بالصواب ودفعه به، وتتمثل أخيراً في استثمار الأخطاء لاكتساب الخبرة والعبرة في تخطيطنا للمستقبل.
ودلّت النصوص أيضاً أنه مهما كان الخطأ فإنه قابل للتصحيح والمراجعة .
ثم إن الخطأ ليس ذنباً بالضرورة، وإنما بعضه ما جانب الصواب عفواً من غير قصد.
يقول ربنا جلّ وعلا: (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا). ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
ووضع الخطأ أي التجاوز عنه من غير حساب.
وإذا كان ربنا -عزّ وجل- يتجاوز عن الخطأ، ويكفّر بعض الذنوب ويبدلها حسنات، فيجدر بنا أن نتعامل مع الخطأ تعاملاً رشيداً، مستوحين هذا المعنى العظيم، من منطلق الاعتراف ببشريتنا ونقصنا وعجزنا عن التمام. وأن مبلغ كمالنا هو محاولة بلوغ الكمال بالتصحيح والإنابة.
وليس المقصود هنا أن نسعى إلى الخطأ باعتباره قيمة لذاته، بل المقصود الاعتراف بجملة من القيم الإنسانية في تعاملنا مع الخطأ وفي استثماره.
المقصود إشاعة مبدأ التسامح، والتجاوز عن كثير من الأخطاء من غير معاتبة أو مكاشفة، ولا سيما في حضرة الإنجازات الضخمة. ولنا في قصة حاطب بن أبي بلتعة الذي أفشى سر المسلمين، وأرسل إلى قريش بمسير النبي -صلى الله عليه وسلم- إليهم. خطأ لو ارتكبه غير حاطب لعُدّ من الخيانة العظمى، لكن نبينا -صلى الله عليه- وسلم يقول: "وما يدريك يا عمر؟ لعلّ الله اطّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم إني قد غفرت لكم".
وما أبعدنا عن هذا المقصد العظيم! ونحن نسقط علماء وكبراء لخطأ واحد، ونحاسب الأبناء إن هم نالوا تسع عشرة علامة لا عشرين، ونتخلى عن صداقات لمجرد خطأ واحد.

إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ معاتبــاً        أخاك لم تلقَ الذي لا تـــعاتبُهْ
فعشْ واحداً أو صلْ أخاك فإنــه     مقارفُ ذنب مرّةً ومجانبُــــهْ
إذا أنت لم تشربْ مراراً على القذى    ظمئت وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهْ؟!

والحق في الخطأ هو حقنا في العمل والاجتهاد.
فالخطأ ملازم حتميّ للعمل، ولا تكثر الأخطاء إلاّ حيث تكثر الأعمال وتتزايد. ذلك أن العمل البشري قاصر عن رتبة الكمال. ومن أجل أن الخطأ، بل الذنب نفسه، ملازم للعمل، فقد ربطه الله به (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
وأنت لا تجد مسلماً عاقلاً يقول: إذاً لا أعمل حتى لا يحاسبني الله؛ فترك العمل هو الذنب الذي لا يُرجى أن يغفره الله، وفي الآية دلالة على أن العمل حق لمّا أمر الله به.
ويقودنا ذلك إلى حق آخر: هو حق المراجعة والتصحيح؛ فالخطأ مدعاة إلى التصحيح وتحسين الأداء .
والحق في الخطأ مكفول في النص على الاجتهاد وإعمال الفكر، والمجتهد مأجور إن هو استوفى شروط الاجتهاد، ولو أخطأ؛ لأنه عامل ولا يضيع عند الله عمل.
أن نخطئ معناه أننا نحاول؛ والمحاولة فضيلة بحدّ ذاتها. وحرص المربين الشديد على التوجيه إلى ما يعتقدونه صواباً ليس حكيماً طوال الوقت؛ فالتوجيه ليس شحنات نفرّغها، أو تسجيلاً لموقف، بل تلزم الأناة والروية والاقتصاد في الوعظ لئلاً يُحرم المتلقي من فرصة المحاولة والمراجعة والتعديل.
ببساطة متناهية: النصّ على حق الإنسان في الخطأ هو نصّ على الاعتراف بإنسانية الإنسان، وبحقه في التقدّم والتطوّر والسعي إلى الكمال.

وفي المقاطعة فوائد سبع

أحمد مخيمر
انطلقت انتفاضة الشعوب الغاضبة من المحيط الاطلنطي إلي المحيط الهادي ثائرة لدينها وقدسها واقصاها.. مدافعة عن كرامتها وشرفها وعزتها.. مساندة انتفاضة الاقصي الشريف التي انطلقت في القدس والأراضي المحتلة يوم 28 من سبتمبر 2000 إلي يومنا هذا حتي تتطهر الأرض وتتحرر القدس وكان من آليات هذه الانتفاضة المباركة من الشعوب العربية والإسلامية سلاح المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية والأمريكية علي السواء وهي تضرب المثل في هذا للقادة العرب والمسلمين كي يحذوا حذوها دون ان يخشوا في الله لومة لائم ولا يخشوا علي شعوبهم من أي بأس فالشعوب هي صاحبة المبادرة و المطالبة بالمقاطعة ولابد من الاشارة إلي أن مقاطعة الحكومات إجدي وانجع ألف مرة من مقاطعة الشعوب وإن كانت مطلوبة لرمزها وروحها ومعانيها السامية و فوائدها الجمة علي الدول والشعوب العربية والاسلامية ومنها: -
أولاً: التخلص من التبعية والهيمنة الأمريكية علي حياتنا:
فقوائم المقاطعة اللمنتجات الأمريكية كشفت تغلغل العم سام في كل شيء في حياتنا اليومية مطاعم أمريكية - سجائر أمريكية - ملابس أمريكية - دواء أمريكي - تسال وألعاب أمريكية - مشروبات غازية أمريكية - لبان وشكولاته وكيك أمريكي ناهيك عن الأجهزة والمعدات الأمريكية ناهيك عن السلاح الأمريكي الذي نناشد الحكومات العربية والإسلامية والصديقة والمحبة للعدل ان تقاطع شراء الأسلحة الأمريكية فرب صفقة سلاح والتي تبلغ المليارات من الدولارات تجعل الإدارة الأمريكية تفكر ألف مرة في قرار المساندة لإسرائيل.
ثانيا: ترشيد عادة الاستهلاك المفرط لدي شعوبنا:
فاصبحت الدول العربية والإسلامية أكبر كتلة مستهلكة علي وجه الأرض وليتها تستهلك ما تنتج ولكن المصيبة الكبري انها تستهلك ما تستورد والمصيبة الأعظم أن تستهلك ما ينتج اعداؤها فتصبح هي قوة ضعيفة مستهلكة ويصبح الاعداء قوة اقتصادية منتجة تهيمن علي الاقتصاد ومن ثم علي السياسة وهذا هو الاستعمار الحديث.
ثالثا: ترشيد أزمة الدولار المستحكمة:
ان احتياطي مصر علي سبيل المثال من العملة الصعبة انخفض من 26 مليار دولار الي 16 مليار دولار تقريبا في سنوات قليلة وذلك بفضل حمي الاستيراد الاستفزازي، ففي المقاطعة ترشيد لهذا الاستيراد المجنون وبالتالي ترشيد لاستهلاك العملة الصعبة والمساهمة في حل أزمة الدولار الطاحنة وحبذا لو اتجهت الحكومات لمقاطعة الدولار الأمريكي فتجعل احتياطها من العملة الصعبة بعملة اخري فاليورو الأوروبي و الين الياباني لا يقل شأنا عن الدولار ان لم يتفوق عليه.. علي الأقل نجعل احتياطنا ما يعرف بسلة العملات ولا نحصر انفسنا في عملة واحدة تتحكم في رقابنا واقتصادنا.
رابعا: حماية الصحة العامة في مجتمعاتنا:
من بين قوائم المقاطعة الأمريكية تبرز بعض السلع الضارة جدا بالصحة باعتراف منتجيها فالسجائر الأمريكية »مارلبورو - ميريت - LM« من أولي السلع الضارة جدا بالصحة.
كذلك المشروبات الغازية مثل الكولا والبيبسي والسفن والميرندا مسئولة مسئولية مباشرة عن قرح المعدة وأمراض السمنة وحالات التهيج لدي الأطفال وقس علي ذلك المأكولات سابقة التجهيز الأمريكية.
خامسا: تشجيع صناعتنا المحلية والقومية:
فإن المقاطعة للمنتجات الأمريكية والإسرائيلية تقتل عندنا عقدة الخواجة لننطلق ونبحث عن البدائل الوطنية او القومية عربية أو إسلامية أو صديقة فإذا قاطعنا منظفات اريال مثلا برزت عشرات الشركات الوطنية التي تنتج المنظفات المماثلة والبديلة ومهما شكونا من ضعف الجودة فإن كثرة الاقبال عليها سيحتم عليها تحسين الجودة وإرضاء جموع المستهلكين وهكذا سائر الصناعات.
سادسا: تحقيق الاكتفاء الذاتي:
ان نجاح سلاح المقاطعة الحقيقي في تحقيق الاكتفاء الذاتي خاصة من السلع الضرورية وهنا نقول للذين يتباكون علي العمالة الوطنية إذا قاطعنا بعض السلع الأمريكية: وجهوا هذا العمالة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح بزراعته في صحرائنا الواسعة او وجهوا هذه العمالة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من السكر بزراعة أرض البنجر التي انشئت من اجل هذا الغرض .. ان اكتفاءنا الذاتي افضل الف مرة من توظيف عمالتنا عند توكيلات الاعداء فتصبح الحصيلة في صالح العدو علي حساب أمننا واقتصادنا وقرارنا.
سابعا: توظيف اسواقنا في خدمة أمن شعوبنا وقضاياها:
إن أسواقنا تمثل أهم الأسواق للمنتج الأمريكي فأسواقنا العربية تقوم علي تعداد 300 مليون نسمة وأسواقنا الإسلامية تقوم علي تعداد 1200 مليون نسمة. إن استجابة هذه الأسواق لخيار المقاطعة من شأنه حرمان المنتجات الأمريكية من أهم أسواقها بداية من الألعاب والتسالي والحلويات إلي الأجهزة والمعدات إلي السلاح بأنواعه إلي الطائرات بأنواعها، فماذا لو استجابت شركات الطيران العربية والإسلامية وامتنعت عن شراء صفقات الطائرات البوينج وتكفي حوادثها واعطالها الفنية القاتلة سببا للمقاطعة والامتناع؟ تري كم ستكون خسائرها والتي ستدفع الإدارة الأمريكية الداعمة لها بكل ما تملك إلي التفكير ألف مرة في قرار المساندة لإسرائيل؟!.
إن سلاح المقاطعة ليس بدعة وإنما هو سلاح ناجح جربته الهند غاندي ونجحت في هز اقتصاد انجلترا وجربته مصر مع الانجليز بدعوة سعد زغلول وجربته كوبا مع أمريكا فلا يعرف شعبها ما يسمي بالمنتج الأمريكي أبدا وجربته اليابان مع أمريكا بتلقائية ووعي الشعب الياباني جعل العم سام يقوم بجولات مكوكية أكثر من مرة يستجدي فتح السوق الياباني وتشجيع شراء المنتج الأمريكي ولكن هيهات هيهات ان تستجيب الشعوب الواعية إلا للثأر لكرامتها وعزتها ومقدساتها.

المقاطعة الاقتصادية

د. خالد بن عبدالله بن دايل الشمراني استاذ الفقه المساعد ورئيس قسم القضاء بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى (*)

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ وبعد.
تعريف المقاطعة الاقتصادية:
الامتناع عن معاملة الآخر اقتصادياً وفق نظامٍ جماعي مرسوم بهدف الضغط عليه لتغيير سياسته تجاه قضية من القضايا.
نماذج من صور المقاطعة الاقتصادية عبر التاريخ:
لقد زخر التاريخ الإنساني على مَرْ العصور، بالكثير من الأمثلة والصور التي استُخدِم فيها سلاح المقاطعة الاقتصادية كوسيلة من وسائل الضغط، لإخضاع الطرف الآخر، وفيما يلي عرضٌ موجز لبعض هذه الأمثلة:
1 – ائتمار قريش واتفاقهم، على مقاطعة بني هاشم، وبني عبدالمطلب، وذلك بألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعوا منهم، وقد استمرت هذه المقاطعة سنتين أو ثلاثاً (1).
2 – ما فعله ثمامة بن أثال _رضي الله عنه_ بعدما أسلم، حيث قال لكفار قريش: "والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي _صلى الله عليه وسلم_"(2).
3 – في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وفي إبان حركة تحرير إيرلندا ضد السيطرة الإنجليزية، امتنع حلف الفلاحين، من التعامل مع وكيل أحد اللوردات الإنجليز من أصحاب الإقطاعات الزراعية في إيرلندا(3).
4 – في عام 1921م، أصدر حزب الوفد المصري، بعد اعتقال رئيسه سعد زغلول قراراً بالمقاطعة الشاملة ضد الإنجليز، وشمل قرار المقاطعة حث المصريين على سحب ودائعهم من المصارف الإنجليزية، وحث التجار المصريين على أن يُحتّموا على عملائهم في الخارج ألا يشحنوا بضائعهم على سفنٍ إنجليزية، كما أوجب القرار مقاطعة التجار الإنجليز بشكل تام(4).
5 – بعد الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945م) امتنع كثير من الناس في أوربا من شراء البضائع المصنعة في ألمانيا، بسبب احتلالها لبلادهم(5).
6 – ما دعا إليه الزعيم الهندي غاندي، من مقاطعة البضائع الأجنبية بإحراقها علناً في بومباي ضمن سلسلة من أعمال الاحتجاج ضد الاستعمار البريطاني للهند(6).
7 – قاطع السود في مدينة مونتجمري بولاية ألباما نظام سير الحافلات المدينة، مما قضى على سياسة الفصل الاجتماعي داخل الحافلات منذ الستينات(7).
8 – ومن صور المقاطعة الاقتصادية رفض المستهلكين في بلدان عديدة، منذ مطلع الستينات حتى أوائل التسعينات في القرن العشرين؛ شراء بضائع من جنوب إفريقيا؛ احتجاجاً على سياسة التفرقة العنصرية(8).
9 – ومن أمثلة المقاطعة الاقتصادية، أن معظم الدول العربية كانت تقاطع إسرائيل بسبب احتلالها لأرض فلسطين المسلمة(9).
10 – ما قام به الملك فيصل _رحمه الله_ من استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية بشكل مؤثر، في أعقاب حرب 1967م وحرب 1973م، فبعد يومين من نشوب الحرب الأولى، أعلن حظر البترول السعودي عن بريطانيا والولايات المتحدة، وعلى إثر نشوب حرب 1973م تزعم حركة الحظر البترولي الذي شمل دول الخليج، فكان لهذا الحظر أثره في توجيه المعركة(10).
مدى اندراج المقاطعة الاقتصادية تحت الجهاد في سبيل الله:
الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء(11).
وجاءت كلمة الجهاد في القرآن الكريم والسنة النبوية، بمعانٍ ودرجات مختلفة، نجملها فيما يلي(12):
1 – الجهاد بالنفس: وهو قتال الكفار بالنفس، وكل ما يتعين عليه، من بيان فضله، والتحريض عليه، والإخبار بعورات العدو، وما يعلمه من مكايد الحرب. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، سيأتي ذكر بعضها عند الكلام على مقاصد الجهاد.
2 – الجهاد بالقول: وهو يشمل مجاهدة الكفار والمنافقين، بالحجة والبرهان، قال _تعالى_: "وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً" (الفرقان: من الآية52)، أي بالقرآن. ويشمل أيضاً الصدع بالحق عند الحكام الظلمة، قال _صلى الله عليه وسلم_: "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"(13).
3 – الجهاد بالمال: ويكون على وجهين:
أحدهما: إنفاق المال في إعداد السلاح وآلة الجهاد والزاد وما جرى مجراه مما يحتاجه لنفسه.
الثاني: إنفاق المال على غيره ممن يجاهد، ومعونته بالزاد والعدة، قال _تعالى_: "وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (التوبة: من الآية41)
4 – الجهاد بالعمل: وذلك ببذل الجهد في عمل الخير، ليكون نفعه عائداً على صاحبه بالاستقامة والصلاح، كما في قوله _تعالى_: "وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ" (العنكبوت: من الآية6).
5 – الجهاد بالقلب: وذلك ببغض المنكر وكراهيته بالقلب، قال _صلى الله عليه وسلم_: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"(14).

وأما تعريف الجهاد في الاصطلاح الفقهي:
فقد نص الفقهاء في أغلب كتبهم على أن الجهاد يطلق على مجاهدة النفس والشيطان والفساق والمنافقين. ولكنه عند الإطلاق ينصرف إلى قتال الكفار لإعلائه كلمة الله(15).
ولهذا قال العلامة ابن رشد: "كل من أتعب نفسه في ذات الله فقد جاهد في سبيله، إلا أن الجهاد في سبيل الله إذا أطلق فلا يقع بإطلاقه إلا على مجاهدة الكفار بالسيف حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون"(16).
وبناءً على ما سبق فإن المقاطعة الاقتصادية تدخل في مفهوم الجهاد بمعناه العام، نظراً لما تتضمنه من إتعاب النفس بحرمانها من بعض المكاسب والملذات، وذلك من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين من المسلمين.
كما أن المقاطعة الاقتصادية تعتبر من ضروب الجهاد في سبيل الله من ناحية أخرى، ذلك أنه قد سبق معنا أن من معاني الجهاد في السنة المطهرة جهاد القلب وذلك ببغض المنكر وكراهيته، وذلك في قوله _صلى الله عليه وسلم_: "ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن"(17)، فسمى النبي _صلى الله عليه وسلم_ هذا الفعل القلبي جهاداً، ومن المعلوم أن المقاطعة الاقتصادية بنية التقرب إلى الله ونصرة المستضعفين من المسلمين، وإلحاق الضرر بالكفار، يتضمن جهاد القلب، وزيادةً تتمثل في ترك التعامل معهم فيما يعود عليهم بالنفع.

المقاطعة الاقتصادية تحقق مقاصد الجهاد في سبيل الله:
مما لا شك فيه أن سلاح المال والاقتصاد من أشد الأسلحة مضاءً وتأثيراً في هذا العصر، كما أن العامل الاقتصادي هو مِنْ بين العوامل المهمة التي تدفع الأمم إلى مكان الصدارة على الساحة الدولية. والمكانة المهمة التي تتسنمها دولتان مثل: اليابان وألمانيا؛ بسبب القوة الاقتصادية لكل منهما، لأكبر دليل على ما ذكرنا، فقد خرجت هاتان الدولتان من الحرب العالمية الثانية وهما مثقلتان بهزيمة فادحة ودمار واسع، ومع ذلك فقد استعادت هاتان الدولتان مكانتهما على المسرح الدولي بفضل ما تتمتعان به من تقدم تقني وقوة اقتصادية.
وفي المقابل لدينا أنموج الاتحاد السوفييتي الذي كان في يوم من الأيام أحد القطبين المهيمنين على الساحة الدولية، بما يملكه من جيوش جرارة وترسانة نووية وتقليدية ضخمة، ومع ذلك فسرعان ما انهار ذلك المارد لأسباب من أهمها ضعفه الاقتصادي، فتراجع نفوذه في العالم وانكفأ على نفسه.
كل ما سبق يبين لنا أن القوة الاقتصادية من العوامل الرئيسية لرقي الأمم وازدهارها، كما أن المساس بالعامل الاقتصادي، أو محاولة زعزعته وإضعافه، يعد اعتداءً خطيراً على حياة الأمم واستقرارها.
ومن هنا تأتي أهمية الكلام عن المقاطعة الاقتصادية، كسلاحٍ من أسلحة الردع والمقاومة.
وما استخدام سلاح النفط في وجه أمريكا عامي 1967 – 1973م، ما ترتّب عليه من آثار وتداعيات، إلا مثالاً بسيطاً على أهمية هذا السلاح، وما يمكن أن يوقعه بالأعداء من خسائر لا يستهان بها.
وقد كانت المقاطعة العربية لإسرائيل تبهض كاهل الدولة الصهيونية وتلحق باقتصادها خسائر فادحة.
وأخيراً.. وبعد الانتفاضة الفلسطينية الأخيرة ضد الممارسات الصهيونية العدوانية، وما رافق ذلك من انحياز أمريكي سافر لليهود، وما ترتب على ذلك من إلهابٍ لمشاعر المسلمين في كل مكان في العالم؛ استجاب كثير من المسلمين، لدعوات المقاطعة الاقتصادية التي رفع شعارها بعض علماء المسلمين، والكثير من اللجان الشعبية والنقابات المهنية ولجان مقاومة التطبيع مع الصهاينة، والتي تدعو إلى مقاطعة كل ما هو إسرائيلي أو أمريكي من البضائع، مما ترتب عليه انخفاض في أرباح الشركات الأمريكية بنسبة بلغت 20% في دولة كمصر، مما اضطر تلك الشركات إلى تنظيم حملات دعائية لتحسين صورتها لدى الجماهير، وإثبات اهتمامها بالقضايا العربية والإسلامية بصفة عامة وحرصها على الحقوق الفلسطينية بصفة خاصة، حيث أعلنت تلك الشركات، عن تبرعها بجزء من أرباحها لدعم الانتفاضة الفلسطينية(18).
هذه النماذج وغيرها كثير، تبين لنا بجلاء أن المقاطعة الاقتصادية سلاح فعّال ضد الأعداء، وأنها محققة بلا ريب لجملة من مقاصد الجهاد في سبيل الله من إرهاب الكفار وإيهان كيدهم وإذلالهم، وأنا وسيلة لتحقيق مقصد مشروع.
وهذا كُلُّه كاف في إضفاء المشروعية عليها، واعتبارها ضرباً من ضروب الجهاد في سبيل الله، إذا كانت بنية التقرب إلى الله تعالى ونصرة قضايا الإسلام والمستضعفين من المسلمين.
وقد يعترض معترضٌ على اعتبار المقاطعة الاقتصادية ضرباً من ضروب الجهاد في سبيل الله؛ بأن الجهاد فعلٌ إيجابي، والمقاطعة الاقتصادية تركٌ وامتناع. وهذا غير مشكل للآتي:
1 – أن المقاطعة الاقتصادية جهادٌ بالقلب وزيادة، تتمثل في الامتناع عن التعامل مع الكفار فيما يعود عليهم بالنفع.
2 – أن الترك والامتناع يعتبر فعلاً على الصحيح من قولي الأصوليين(19)، والله أعلم.
علاقة المقاطعة الاقتصادية باعتبار المصلحة ودرء المفسدة:
تظهر العلاقة بين المقاطعة الاقتصادية، وقاعدة: اعتبار المصلحة ودرء المفسدة، في أن المقاطعة الاقتصادية، ضربٌ من ضروب الجهاد – كما تقدم معنا – وأنها تحقق بعض مقاصده، من الإضرار بالكفار وإغاظتهم، وأنها وسيلة من وسائل الضغط عليهم يمكن أن تدفعهم إلى التراجع عن ظلمهم وطغيانهم، أو على الأقل تخفف من هذا الظلم والطغيان، وهي بذلك تحقق مصلحة كبرى يجب أن تراعى وتعتبر.
وتحقيق المقاطعة الاقتصادية لما سبق من المصالح المعتبرة، هو أمر أغلبي، قد يتخلف في بعض الأحيان تبعاً لظروف الزمان والمكان ولذلك ينبغي لنا عند النظر في موضوع المقاطعة الاقتصادية كسلاح من أسلحة الردع والضغط، أن نستصحب فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد، على ما سبق تقريره، إذ قد يترتب على المقاطعة الاقتصادية تفويت مصلحة أكبر من المصلحة التي يراد تحقيقها، أو ارتكاب مفسدة أكبر من المفسدة التي يراد دفعها وهذا خلاف مقصود الشارع: من جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وسيأتي مزيد إيضاح لهذه المسألة – إن شاء الله – عند الكلام على الحكم التكليفي للمقاطعة الاقتصادية.
قاعدة: الوسائل لها أحكام المقاصد وعلاقتها بالمقاطعة الاقتصادية:
قال الراغب: الوسيلة: التوصل إلى الشيء برغبةٍ وهي أخص من الوصيلة، لتضمنها لمعنى الرغبة(20).
فالوسائل: هي الأفعال التي يوصل بها إلى تحقيق المقاصد(21). والمراد بالمقاصد هنا: المصالح والمفاسد.
والمقاصد: هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموماً وخصوصاً، من أجل تحقيق مصالح العباد(22).
وإن الناظر في طبيعة عقود المعاملات المالية ليتضح له بجلاء أنها ليست مقصودة لذاتها وإنما لكونها وسيلةً موصلةً إلى ما يحتاجه الإنسان من أعيان ومنافع، وبالتالي فهي من باب الوسائل.
قال ابن قدامة في بيان الحكمة من مشروعية البيع: "لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه، وصاحبه لا يبذله بغير عوض، ففي شرع البيع وتجويزه شرع طريقٍ إلى وصول كل من المتعاقدين إلى غرضه ودفع حاجته"(23).
أقسام الوسائل وعلاقتها بالمقاطعة الاقتصادية:
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن الوسائل تنقسم بالنظر إلى ما تفضي إليه من مصلحة أو مفسدة، إلى أربعة أقسام(24):
القسم الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة، كشرب المسكر المفضي إلى مفسدة السكر، وهذا القسم جاءت الشريعة بمنعه.
القسم الثاني: وسيلة موضوعة للمباح، قُصِد بها التوسل إلى المفسدة، كمن يعقد النكاح قاصداً به التحليل.
القسم الثالث: وسيلة موضوعة للمباح، لم يقصد بها التوسل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالباً، ومفسدتها أرجح من مصلحتها، كمن يسب آلهة المشركين بين ظهرانيهم.
والقسمان الثاني والثالث محرمان أيضاً، من أوجه كثيرة أوصلها الإمام ابن القيم إلى تسعة وتسعين وجهاً.
القسم الرابع: وسيلة موضوعة للمباح، وقد تفضي إلى المفسدة، ومصلحتها أرجح من مفسدتها، كالنظر إلى المخطوبة وكلمة الحق عند سلطان جائر.
وهذا القسم مباح أو مستحب أو واجب بحسب درجته في المصلحة.
وباستصحابنا لما سبق تقريره من أن عقود المعاملات المالية من باب الوسائل؛ فإن إبرام عقود المعاملات المالية مع الكفار(25) لا يخرج عن الأقسام الأربعة الآنفة الذكر وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: من أبرم مع الكفار أو غيرهم عقداً يحصل بمقتضاه على أمر محرم، فهذا العقد باطل ولا إشكال في تحريمه، وهو يندرج تحت القسم الأول من أقسام الوسائل وهو ما عبّر عنه ابن القيم بقوله: "وسلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة"(26).
ثانياً: من أبرم مع الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، عقداً يحصل بمقتضاه على مباح، وقصده في ذلك: دعم اقتصاديات هذه الدول الكافرة، والنهوض بالمستوى المعيشي في تك المجتمعات؛ فلا شك في تحريم هذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار، لما يترتب عليه من إعزاز لمن أذل الله، وموالاة للكفار.
وهذه الصورة من صور التعامل الاقتصادي تندرج تحت القسم الثاني من أقسام الوسائل، وهو ما عبر عنه ابن القيم بقوله: "وسيلة موضوعة للمباح قُصِد التوسل بها إلى المفسدة"(27).
ثالثاً: من أبرم من الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، عقداً يحصل بمقتضاه على مباح، وقصده في ذلك نفع نفسه، إلا أن هؤلاء الكفار يجنون من وراء هذه الصفات التجارية أرباحاً يسخرون جزءاً منها في إلحاق الضرر بالمسلمين، عن طريق قتلهم وتشريدهم من ديارهم وزعزعة عقائدهم، وتخريب اقتصادياتهم. وهذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، وإن كان مباحاً في أصله، إلا أنه يفضي إلى ما تقدم ذكره من المفاسد، فالذي يظهر – والله أعلم – أن التعامل معهم والحالة هذه غير مشروع من حيث الحكم العام – هذا إذا كانت السلع المستوردة منهم من قبيل الضروريات أو الحاجيات وكان لها بدائل من دول محايدة – أما في الوقائع الخاصة، فقد يتغير فيها الحكم التكليفي تبعاً لتغير الملابسات والأحوال، وسنُلقي مزيداً من الضوء على هذه المسألة في المبحث الثالث من هذا الفصل – إن شاء الله تعالى-.
والذي يظهر أن هذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار الذي سبق بيانه، يندرج تحت القسم الثالث من أقسام الوسائل وهو ما عبر عنه ابن القيم بقوله: "وسيلة موضوعة للمباح لم يقصد بها التوصل إلى المفسدة لكنها مفضية إليها غالباً"(28).
رابعاً: من أبرم مع الكفار المعاهدين المحايدين عقداً يحصل بمقتضاه على مباح، فهذا لا شك في إباحته من حيث الأصل، وقد يكون مستحباً أو واجباً بحسب ما يفضي إليه من المصلحة. وهذا الضرب من ضروب التعامل مع الكفار المعاهدين المحايدين يندرج تحت القسم الرابع من أقسام الوسائل، والذي عبّر عنه ابن القيم بقوله: "وسيلة موضوعة للمباح، وقد يفضي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها"(29)، "فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته من المصلحة"(30).
وإذا كانت الصورة الأولى من صور التعامل المفضي إلى المفسدة لا إشكال في تحريمها فإن صورتي التعامل مع الكفار المحاربين أو المعاهدين غير المحايدين، المندرجة تحت القسم الثاني والثالث من أقسام الوسائل، ممنوعة من حيث الحكم العام لما تفضي إليه من مفاسد.
وإذا تمهد ذلك فإن المقاطعة الاقتصادية للكفار المحاربين والمعاهدين غير المحايدين، واجبة من حيث الحكم العام؛ لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده، إذا كان له ضد واحد اتفاقاً، كما هو مقرر في علم الأصول(31)، والله أعلم.

الأدلة التفصيلية على مشروعية المقاطعة الاقتصادية:
سنعرض هنا جملة من الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية المقاطعة الاقتصادية، منها:
1 – قول الله _تعالى_ حكاية عن يوسف _عليه السلام_: "وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ" (يوسف:59، 60).
وجه الدلالة: أن يوسف عليه السلام جعل منع الطعام عن إخوته وسيلة لجلب أخيه إليه، وهو تلويح واضح بسلاح المقاطعة الاقتصادية، واستخدامه كوسيلة من وسائل الضغط، وهذا وإن كان من شرع من قبلنا إلا أنه ليس في شرعنا ما يخالفه، بل على العكس هناك ما يؤيده صراحةً كما في حديث ثمامة بن أثال الآتي، وبناءً على ما سبق فإن المقاطعة الاقتصادية وسيلة مشروعة للتوصل إلى الحق، أو دفع الظلم.
2 – قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ" (التوبة: من الآية73).
وجه الدلالة: أن الله _تعالى_ أوجب على المؤمنين مجاهدة الكفار والمنافقين، إما وجوباً عينياً أو كفائياً، ومن المعلوم أن في جهادهم استباحة لدمائهم وأموالهم، فإلحاق الضرر بهم عن طريق المقاطعة الاقتصادية مشروع من باب أولى.
3 – قال _تعالى- عن المؤمنين: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" (التوبة: من الآية120).
وجه الدلالة: أن في المقاطعة الاقتصادية نَيْلٌ من الكفار وإغاظة لهم، وما كان كذلك فهو محبوب إلى الله تعالى.
قال ابن القيم _رحمه الله_ عند ذكره لبعض ما في قصة الحديبية من الفوائد الفقهية: "ومنها استحباب مغايظة أعداء الله، فإن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أهدى في جملة هديه، جملاً لأبي جهل في أنفه بُرَةُ(32)، من فضة يغيظ بها المشركين"(33).
4 – ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة _رضي الله عنه_: "أن ثمامة بن أثال قيل له بعدما أسلم: صبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد _صلى الله عليه وسلم_، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة، حتى يأذن فيها النبي _صلى الله عليه وسلم_".
وجه الدلالة: أن ما فعله ثمامة من تهديده للكفار بقطع الحنطة عنهم، صورة من صور المقاطعة الاقتصادية، ولو كان هذا الفعل غير مشروع لما أُقرّ عليه.

الحكم التكليفي للمقاطعة الاقتصادية:
1 – الحكم الأصلي للمقاطعة الاقتصادية:
من المقرر عند العلماء رحمه الله أن الأصل: في المعاملات الإباحة حتى يرد دليل بمنعها(34)، وقد سبق معنا، أن التعامل الاقتصادي مع الكفار مباح في الجملة عدا بعض المستثنيات المذكورة في ذلك الموضع.
إذا تقرر ذلك فإن المقاطعة الاقتصادية للكفار بالامتناع عن التعامل معهم بالبيع والشراء، مباح أيضاً؛ لأن حقيقة المباح: ما اقتضى خطاب الشرع التسوية بين فعله وتركه، من غير مدح يترتب عليه ولا ذم(35).
وبهذا يكون الأصل في حكم المقاطعة الاقتصادية الإباحة، وقد يتغير هذا الحكم بالنظر إلى ما يترتب على المقاطعة الاقتصادية من مصالح أو مفاسد، كما سنرى في المطالب التالية.
2 – الحالات التي تكون فيها المقاطعة الاقتصادية واجبة، أو مندوبة، أو محرمة:
تقدم معنا أن مقاطعة الكفار اقتصادياً، تعد من ضروب الجهاد في سبيل الله، إذا كانت بنية التقرب إلى الله _تعالى_، نظراً لما تلحقه بالكفار من أضرار سبق ذكر بعضها، مما يجعلها أداة ضغط يمكن أن تسهم في: إزالة أو تخفيف الظلم عن المسلمين؛ أو في جلب منفعة ومصلحة لهم.
ولكن الأمر الذي ينبغي أن يكون في الحسبان، أن استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية قد يواجه بردّة فعل عنيفة من قبل بعض الدول الكافرة التي تتمتع بنفوذ وسيطرة على مستوى العالم، ولا سيما إذا كانت هذه المقاطعة متضمنة لقطع بعض السلع الاستراتيجية، التي يلحق المساس بها ضرراً بالمصالح القومية العليا لهذه الدول، مما قد ينتج عنه إقحام المسلمين في معركة ليسوا مستعدين لخوضها.
لأجل كل ما سبق؛ ولأن الغاية من استخدام سلاح المقاطعة الاقتصادية هو: جلب مصلحة أو درء مفسدة، فينبغي لنا أن نلتفت إلى معنيين، نبني على تحققهما، أو انتفائهما، أو تحقق أحدهما وانتفاء الآخر، حكم المقاطعة الاقتصادية وهذان المعنيان هما(36):
1 – أن تحقق المقاطعة الاقتصادية مصلحة، تتمثل في: الإضرار بالكفار وإيقاع النكاية بهم.
2 – عدم إفضاء المقاطعة الاقتصادية إلى مفسدة أعظم من المفسدة التي نسعى لإزالتها أو تخفيفها، كأن يترتب على المقاطعة الاقتصادية شنّ حربٍ على المسلمين لا قدرة لهم على مواجهتها، أو أن يزيد العسف والظلم على المستضعفين من المسلمين، الذين أردنا أن نرفع الظلم عنهم بهذه المقاطعة.
فيحصل لنا من اعتبار هذين المعنيين أربعة أحوال:
الأول: أن يجتمع المعنيان، بأن يغلب على الظن إفضاء المقاطعة إلى الإضرار بالكفار، وألا يترتب عليها مفسدة أعظم من المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها، فهنا يتوجه القول بالوجوب، والله أعلم.
الثاني: أن ينتفي المعنيان، بألا يترتب على المقاطعة الاقتصادية إضرار بالكفار، وتفضي إلى مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها، فهنا يتوجه القول بالتحريم، والله أعلم.
الثالث: أن يتحقق المعنى الأول وينتفي الثاني، بأن يغلب على الظن أن المقاطعة الاقتصادية ستفضي إلى الإضرار بالكفار، إلا أنها ستفضي أيضاً إلى وقوع مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها، فها هنا تتعارض مصلحة ومفسدة المصلحة تتمثل في إلحاق الضرر بالكفار، والمفسدة تتمثل في عدم درء المفسدة التي يراد إزالتها أو تخفيفها. بل على العكس يترتب على المقاطعة مفسدة أعظم، فإن كانت المفسدة غالبة لم ينظر إلى المصلحة، وإن تساوت المصلحة والمفسدة فدرء المفاسد مقدّم على جلب المصالح.
وقد تقدم معنا أن من العلماء من أنكر وجود مثل هذا في الشريعة.
الرابع: أن ينتفي المعنى الأول ويتحقق الثاني، بألا تفضي المقاطعة الاقتصادية إلى إلحاق ضررٍ بالكفار، ولا تفضي إلى وقوع مفسدة راجحة على المفسدة التي يراد إزالتها بالمقاطعة الاقتصادية، فالذي يظهر أنها تُندب في هذه الحالة؛ لأنها تكون من وسائل التعبير عن الاحتجاج والسخط ضد ممارسات الكفار العدوانية.

هذا ما ظهر في حكم المقاطعة الاقتصادية، والله أعلم.
هذا، وإنه مما ينبغي التأكيد عليه في هذا المقام أن وظيفة الموازنة بين المصالح والمفاسد من وظائف الراسخين في العلم ممن يجمعون بين فقه الدليل وفقه الواقع، ولا مدخل فيها للعوام وأشباههم.
وبعد الانتهاء من بحث هذه المسألة المهمة، فقد ظهرت لي النتائج الآتية:
1- أن التعامل مع الكفار اقتصادياً مباحٌ من حيث الأصل، وإن كان هناك بعض المسائل المستثناة التي وقع فيها خلاف بين أهل العلم.
2- أن المقاطعة الاقتصادية ليست وليدة هذا العصر، بل هي أسلوب معروف من أساليب الضغط والاحتجاج، وقد زخر التاريخ الإنساني بالكثير من صورها.
3- أثبت الواقع المشاهد بأن المقاطعة الاقتصادية، سلاح فعال، وقد نجح هذا السلاح في أحيان كثيرة، في إجبار الطرف الآخر على التراجع والإصغاء لمطالب المقاطعين.
4- إذا صدرت المقاطعة الاقتصادية بنية التقرب إلى الله فإنها تعتبر ضرباً من ضروب الجهاد بمفهومه الشرعي العام نظراً لما يترتب عليها من تحقيق لبعض مقاصد الجهاد.
5- المقاطعة الاقتصادية مباحة من حيث الأصل، لكنها قد تكون واجبة أو مندوبة أو محرمة بالنظر لما يترتب عليها من مصالح أو مفاسد.
وفي الختام.. فإني أحمدُ الله على ما منَّ به من إتمام هذا البحث، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عما فيه من خلل أو قصور.
--------------------------------------
(*) أصل هذا البحث كتاب مطبوع، طبعته دار ابن الجوزي بعنوان (المقاطعة الاقتصادية حقيقتها وحكمها) ولأهمية الموضوع قمنا بنشره في الموقع بعد الإذن من المؤلف وبتصرف، ونأمل من القراء مراجعة الكتاب لما فيه من مباحث وتأصيلات مهمة لم يتطرق لها في البحث هنا.
(1) انظر: البداية والنهاية (3/76).
(2) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب وفد بني حنيفة، وحديث ثمامة بن أثال، ح (4372). (صحيح البخاري مع الفتح 7/688).
(3) القاموس السياسي: ص (1501).
(4) المرجع السابق، ص (1502).
(5) انظر: الموسوعة العربية العالمية (23/561).
(6) انظر: القاموسي السياسي، ص (1037).
(7) انظر: الموسوعة العربية العالمية (23/561).
(8) انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.
(9) انظر: المرجع السابق، نفس الصفحة.
(10) انظر: القاموس السياسي، ص (1121).
(11) لسان العرب (جهد) (2/395).
(12) أصول العلاقات الدولية في فقه محمد بن الحسن الشيباني (2/910-912).
(13) أخرجه أبو داود، كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، ح (4334)، (سنن أبي داود مع عون المعبود (11/335)؛ والترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في أفضل الجهاد، ح (2265)، (جامع الترمذي مع تحفة الأحوذي 6/593)؛؛ والنسائي، كتاب البيعة، باب فضل من تكلم بالحق، ح (4220) (7/181). وصححه الألباني، انظر: صحيح الجامع: (1/163).
(14) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، ح (177)، (صحيح مسلم مع شرح النووي 2/215).
(15) أصول العلاقات الدولية في فقه محمد بن الحسن (2/915)، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، ص (260).
(16) المقدمات الممهدات لابن رشد (1/342).
(17) تقدم تخريجه، هامش رقم (14).
(18) مجلة المجتمع الكويتية عدد 1435، ص (15).
(19) انظر: شرح مختصر الروضة (1/243)؛ مراقي الصعود إلى مراقي السعود، ص (91).
(20) انظر: اللسان: (وسل) (15/301)؛ المفردات في غريب القرآن: (وسل) ص (538)؛ المصباح: (وسلت) (2/660).
(21) قواعد الوسائل، ص (47). وانظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (3/139)؛ إعلام الموقعين: (3/35)؛ سد الذرائع للبرهاني: ص (96).
(22) مقاصد الشريعة لليوبي، ص (37). وانظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: ص (19).
(23) المغني: (6/7) بتصرف يسير.
(24) انظر: إعلام الموقعين (3/110 – 126).
(25) ينقسم الكفار تبعاً للدور التي ينتمون إليها إلى:
أ – الكفار الحربيون: وهم الكفار المنتمون إلى دار الكفر التي ليس بينها وبين المسلمين معاهدة أو موادعة أو ميثاق. وتسمى دارهم (دار الحرب).
ب – الكفار المعاهدون: وهم الكفار المنتمون إلى دار الكفر بينها وبين المسلمين معاهدة أو موادعة أو ميثاق. وتسمى دارهم (دار العهد). إلا أن الناظر في الواقع المعاصر يجد أن كثيراً من دول الكفر المعاهدة، تنحاز وبشكل سافر لأعداء المسلمين؛ لذا فقد اصطلحت في هذا البحث على تقسيم دور العهد إلى: دور محايدة، ودور غير محايدة.
ج – الكفار المستأمنون: وهم الكفار المنتمون إلى دار الكفر إلا أنهم دخلوا الدولة الإسلامية بأمان مؤقت.
د – الكفار الذميون: وهم الكفار المقيمون تحت ذمة المسلمين بالجزية.
انظر: أصول العلاقات الدولية في فقه محمد بن الحسن (1/347، 432)؛ الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (1/290).
(26) أعلام الموقعين (3/109).
(27) المصدر السابق، نفس الصفحة.
(28) إعلام الموقعين (3/109).
(29) المصدر السابق (3/109).
(30) المصدر السابق (3/110).
(31) قال الزركشي: "أما النهي عن الشيء فأمر بضده إن كان له ضد واحد بالاتفاق كالنهي عن الحركة يكون أمراً بالسكون". البحر المحيط (2/421). وانظر: شرح الكوكب المنير (3/54).
(32) البُرَة: حلقة في لحم الأنف. النهاية في غريب الحديث (1/122).
(33) زاد المعاد (3/301).
(34) انظر: إعلام الموقعين (1/295)، القواعد والأصول الجامعة: ص (30).
(35) شرح مختصر الروضة (1/386).
(36) قارن بين هذين المعنيين وما ذكره الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين (2/315) عند كلامه على الحكم التكليفي للاحتساب.